الانتقائية.. مخالفة لمبدأ سيادة القانون
سؤال عالماشي - موفق مطر
أن يكون المرء سياسيا أو مثقفا فعلا أو يدعي أنه كذلك، فإنه سيكون المشكلة الأشد تعقيدا إذا ما أمعن في مخالفاته الصريحة للقانون عن قصد أو جهل أو في سياق اتباع وسيلة الالتفاف والتفسير اللغوي الفاشل، لن يكون مقبولا عند المجتمعات الملتزمة بمبدأ سيادة القانون القوانين إذا حاولت السلطة المعنية بإنفاذ القانون غض الطرف أو تفهم مخالفة للقانون إذا ارتكبها سياسي أو شخص صنف نفسه في مقدمة الرواد المدافعين عن الحريات وحق الرأي والتعبير، إذ من غير المقبول منه المطالبة بتطبيق القانون والعدالة الكافلة وحرية الرأي والتعبير، وهو في موقف المخالف عن سابق ترصد للقانون، ولا يغفر له جهله بنصوص القانون، أو أخذها بانتقائية رغبوية، أو نقل الفواصل والنقاط إلى غير مواقعها الأصلية كما يشاء، فهذا عبث في نصوص القانون، ومخالفة صريحة تستوجب المقاضاة.
لا يمكن لمخالف القانون أن يطالب بتطبيق العدالة، لكن سلطة القانون لا تنتظر مطالبة من أحد لتطبيقها، فالجهة المكلفة رسميا وفق التشريعات تلتزم بإنفاذ القانون انطلاقا من مبدأ سيادته على الجميع، فتتحمل مسؤولية أخلاقية مضاعفة أثناء تطبيقه قياسا بمسؤولية المواطن المطلوب منه اتباع سبل القانون لممارسة حقوقه، وهذا يتطلب ثقافة قانونية حقوقية وفي مبادئ الحريات العامة لدى الجميع دون استثناء، خاصة أننا ننشد دولة مستقلة منسجمة قوانينها مع القانون الدولي في هذا السياق، ونعتقد أن القيادة السياسية الفلسطينية قد أدركت مسبقا هذا الأمر وطرحت في إعلان وثيقة الاستقلال الصادرة عن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة في الجزائر من العام 1988 نصا يعتبر قاعدة ارتكاز للحريات والحقوق في فلسطين عززها القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية بتفاصيل ناظمة لمشروعية التجمعات والمظاهرات وأشكال حرية الرأي والتعبير، والنص التالي قد ورد في الوثيقة: "إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، وتصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية واحترام الأقلية قرارات الأغلبية، وعلى العدل الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرق أو الدين أو اللون أو بين المرأة والرجل، في ظل دستور يؤمن سيادة القانون والقضاء المستقل... الخ".
لقد حرص المشرع الفلسطيني على تأكيد وتثبيت مبدأ سيادة القانون في الباب الأول من القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية كان وما زال المقصود به خضوع جميع المواطنين لسيادة القانون أفرادا كانوا أو جماعات أو جمعيات أو منظمات أو أحزاب أو مؤسسات رسمية مكلفة بإنفاذ للقانون، لذلك تم نظم المادة السادسة من القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية فكان نص المادة التالي: "مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص"... وكانت التفصيلات في أبواب القانون ومواده، فثبتت في الباب الثاني (الحقوق والحريات العامة) في المادة (19) التالي: "لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون".
أما القانون رقم (12) لسنة 1998 بشأن الاجتماعات العامة فقد نظم ضوابط الحق في التعبير وسنشير هنا -نظرا لضيق المساحة- إلى المادة (3) منه ونصها: "يحق عقد الاجتماعات العامة على أن يوجه إشعار كتابي للمحافظ أو مدير الشرطة بذلك قبل 48 ساعة على الأقل من موعد عقد الاجتماع"... فيما نصت المادة 4 على: "يقدم إشعار كتابي موقعاً من الأشخاص المنظمين للاجتماع على ألا يقل عددهم عن ثلاثة مبينين فيه المكان والزمان اللذين سيعقد فيهما الاجتماع والغرض منه. في حالة تقديم الإشعار الكتابي من جهة ذات شخصية اعتبارية يكتفي بتوقيع من يمثله".
الخلاصة أن كل جهة لا تتقدم بإشعار مكتوب للشرطة بخصوص تنظيم مظاهرة وتستوفي باقي مواد القانون رقم 12 سيعتبر المسؤولون عن تسييرها مخالفين للقانون، أما التضامن المعنوي والأخلاقي والدعم القانوني فمن حق الملتزم بالقانون لكنه ظلم أو انتهكت حقوقه.