عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 23 آب 2021

ميركل المتواضعة والقوية والحكيمة تترجل باحترام

باسم برهوم

عاشت ألمانيا والعالم مع انجيلا ميركل أكثر من 15 عاما، واليوم تترجل ميركل عن منصبها كمستشارة مثل فارس نبيل متواضع خاض معاركه بشجاعة وشرف وحكمة وتبصر. بالتأكيد انا لست مواطنا المانيا لأحكم وأحاكم تجربة ميركل مع شعبها وبلدها، كما انني لست زعيما دوليا ممن تعاملوا معها على ساحة السياسة الدولية لاقول بالضبط اي نمط من القادة هي، كل ما في الامر أسجل انطباعات مراقب وفهم متابع لهذه المرأة العظيمة، التي عملت نادلة في بار وهي تدرس الكيمياء الفيزيائية في الجامعة لتصل الى اهم منصب في ألمانيا، منصب المستشار، في دولة تحتل المركز الرابع في الاقتصاد العالمي والأول في أوروبا.
ميركل باعتبارها أول امرأة ألمانية تصل إلى منصب المستشارية، وهو بحد ذاته انجاز تاريخي ويحسب لها ولمدى نضج المجتمع الألماني، ولكن الوصول الى المنصب بالرغم من أهميته في حالة ميركل، الا أن كيفية التصرف والتعامل مع هذا المنصب هي الأهم، وهذا ما سيكتبه المؤرخون ويبقى بمثابة دروس وعبر للأجيال. الصفات الابرز لميركل انها سياسية عبقرية في واقعيتها وقدرتها على فهم الشعب الألماني وفهم المانيا وموقعها في أوروبا والعالم، ومن هذه الواقعية الذكية أدارت ميركل الأمور بقوة وتصميم  ولكن مع حكمة وتوازن مدهشين، لذلك هي نالت احترام الجميع، من كان يتفق معها الرأي او يخالفها.
وفي وضع دولي شديد التعقيد ومتقلب، وبالمقارنة مع زعماء آخرين في العالم، كانت ميركل هادئة رزينة تعرف ما تريد والاهم ما تريده المانيا لنفسها من موقع في اوروبا والعالم. وبالمقارنة مع رؤساء أميركيين  عاصروها، خلقوا الفوضى على الساحة الدولية، وبالمقارنة مع رؤساء ومسؤولين اوروبيين  وفي العالم اتصفوا بالضعف او التسلط، كانت السياسة الألمانية في عهد ميركل تتصف بالثبات والحكمة ولم يسجل اي تهور او مغامرة غير محسوبة. بل انها قادت السفينة الألمانية في بحر هائج غادر واوصلتها الى بر الأمان، فليس صدفة ان يلقبها الألمان بالام ميركل.
اليوم تتمتع المانيا باقتصاد قوي وقرارها السياسي مستقل وهي ليست رهينة لأحد. وبقدر ما أعطت ميركل لألمانيا أعطت للاتحاد الأوروبي ليبقى متماسكا، فقد عبر ت بالاتحاد في ذروة الأزمة الاقتصادية العالمي عام  2008 وحتى 2012 وقدمت يد العون للدول الاوروبية التي كانت أكثر تأثرا بالازمة مثل اليونان والبرتغال بهدف المحافظة على منطقة اليورو، كما عبرت مع  الاتحاد بسلام من ازمة خروج بريطانيا (Brext) من الاتحاد.
لم يكن صدفة ان تختار مجلة  فورين بولسي (Foriegn Policy) المستشارة ميركل مرتين كثاني أقوى شخصية في العالم، وان تختارها مجلة تايم (Time) الأميركية شخصية العام ومستشارة العالم الحر سنة 2015. اما جريدة نيويورك تايمز (New York Times)، وبعد فوز ترامب اليميني المتطرف في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، قالت الجريدة ان ميركل هي آخر المدافعين عن الغرب الليبرالي وعن التقاليد الديمقراطية.
البعض حاول مقارنة ميركل برئيسة الوزراء البريطانية في الثمانينيات من القرن الماضي مارغريت تاتشر التي كانت توصف بالمرأة الحديدية. صحيح ان تاتشر كانت أول امرأة تصبح رئيسة وزراء في بريطانيا وتمتعت بالفعل بشخصية حديدية، ولكن لا يمكن تشبيه ميركل بتاتشر، فهذه الأخيرة كانت شخصية فوقية ترغب باستعادة عظمة بريطانيا الاستعمارية، بالاضافة الى خصخصة المؤسسات العامة ولبرلة الاقتصاد بطريقة اضرت بالطبقات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة في البلاد.
اما ميركل، فقد وصفت إدارتها بالأدارة الإنسانية، خصوصا عندما قررت استقبال المهاجرين السوريين رغم نقد القوى اليمنية المتطرفة والفاشية لها، والدليل على إدارتها الإنسانية أن ميركل كانت تفاخر بأن عدد سكان اوروبا يمثلون 7% من سكان العالم وحصتهم من الناتج العالمي 25% الا انهم ينفقون 50% على الشأن الاجتماعي.
قررت ميركل الرحيل وهي لا تزال تتمتع بشعبية و يعتبرها شعبها ضمانة استقراره، وهي ترحل رغم ان معظم قادة العالم كان يرغب باستمرارها في الحكم ولعب ذات الدور العاقل والواقعي في السياسة الدولية التي طالما لعبته. ولعل الاتحاد الأوروبي سيكون أكبر الخاسرين من رحيل ميركل، وهي التي عملت كل شيء من اجل قوة الاتحاد وتماسكه رغم كل الازمات التي ألمت به.
اما ميركل والقضية الفلسطينية، فبالرغم من خصوصية الموقف الالماني من إسرائيل بسبب التاريخ النازي، فقد تمسكت ميركل بحل الدولتين حتى في ظل تخلي واشنطن ترامب عن هذا المبدأ. كما رفضت إعلان هذا الرئيس باعتبار القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، لكون هذا الاعلان ينتهك القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وينسف حل الدولتين. والى جانب الدعم الالماني المالي للسلطة الوطنية، فإن ميركل حافظت على علاقة قوية وثابتة مع الرئيس محمود عباس رغم كافة الضغوط.
بعد أسابيع  قليلة، سترحل ميركل ولكن الميركلية كسياسة سيستمر الحديث عنها طويلا وستدرس في الجامعات الألمانية والعالمية.