الخيط الحريريّ
تغريدة الصباح - محمّد علي طه
تراودني حزمة من الأسئلة منذ عامين تقريبًا، أسئلة هامسة أحيانًا لحوحة أحيانًا أخرى.. تقفز على طاولة مكتبي ثمّ تتمطّى على أوراقي البيضاء التي ما زالت صديقتي منذ ستّة عقود ولم أطّلقها وأستعيض عنها بالحاسوب.. إلى متى؟ أما آن لهذا القلم أن يترجّل؟ كم قارئًا يقرأ هذه المقالات التي تكتبها وتنشرها؟ وكم قارئًا ينتظرها أسبوعيًّا؟ ألا يعرف الفارس أن يترّجل عن جواده قبل أن يسقط في الميدان؟ هل كتّاب الأعمدة في الصّحف يسيرون على نهج ملوك ورؤساء العالم الثّالث لا يستقيلون ولا يتغيّرون ولا يستريحون إلا بكتاب الفصل، أو بما قاله الشّاعر العملاق "وزائرتي كأنّ بها حياء فليس تزور إلا في الظّلام"، أو "زائرة قلعت شرش الحياء" أو بما قاله زهير بن أبي سلمى "سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم".
أحمد الله تعالى أنّ هذه الزائرة برسونا نن غراتا، يا أبا الطّيّب، ولا مكان لأيّة زائرة عندي حتى لو كانت تحمل على رأسها تاج جورجينا رزق، ربّما قصر ذيل، وربّما نعمة من نعم الله وربّما الأولى والثّانية معًا.. ولأنّ "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة" كما قال الفلسطينيّ البراونيّ، فأنا لا اتفق مع قول زهير، بل تركت له السّأم والملل والضجر وما رافقها وتبعها ليورثها لابنه كعب وحبيبته سعاد.
سألني قارئ مهموم: لماذا لا تكتب عن عائلات الإجرام وعن عصابات الخاوة فقد يخجلون فيعتبرون ويغيّرون سلوكهم ويستريح مجتمعنا من أعمالهم؟ فضحكت، وشرّ البلايا ما يضحك، وسألته: هل هؤلاء يقرأون المقالات والكتب؟ لو كانوا يقرأون ما وقعوا في الرذيلة.
هممت عدّة مرّات لكتابة مقال بعنوان "شكرًا لكم!" أوجّهه الى الأخوات القارئات والإخوة القرّاء الّذين رافقوا مقالاتي الاسبوعيّة منذ أعوام، وأخصّ الّذين كانوا يتّصلون بي هاتفيًّا أو كتابيًّا بكلمة طيّبة من قلبي وأعلن عن استراحتي من كتابة هذه المقالات القصيرة. لا ليست استراحة. لو كانت قبل سنوات لأسميتها استراحة المحارب أمّا اليوم فهي استراحة المتقاعد.
قد يأسف البعض وقد يعارضني البعض وقد يشجّعني البعض وقد يقول البعض: أراح واستراح.
هكذا هي الحياة.
فلماذا لا أفعلها؟
عارضتني شريكة حياتي عندما كاشفتها بنيّتي قائلة ناصحة: أكتب من أجل هؤلاء الّذين يحبّون مقالاتك ومن أجل الّذين يقصّونها من الصّحف ويجمعونها ومن أجل الّذين يعيدون نشرها وتوزيعها..
قلت في سرّي من مع العروسة؟ أمّها وخالتها وعشر صبايا من حارتها!!
على رسلك يا قلم. ألم أقل: "أنا أكتب.. أنا موجود"؟ أو "أنا أكتب أنا حيّ"؟ أليست هذه المقالات القصيرة هي الخيط الحريريّ الّذي يربطني بالنّاس؟
وحينما تعبت من هذه الأفكار تناولت ديوان أخي محمود درويش وقرأت:
من أنا لأقول لكم، ما أقول لكم!
ولم أكن حجرًا صقلته المياهُ فأصبح وجهًا
ولا قصبًا ثقبته الرّياحُ فأصبح نايًا
أنا لاعب النّرد أربح حينًا وأخسر حينًا
أنا مثلكم أو أقل قليلًا.