أميركا تسلم طالبان الحكم
نبض الحياة -عمر حلمي الغول

تدحرجت كرة اللهب في أفغانستان بتواتر مع تقدم قوات حركة طالبان ووقوفها على أبواب العاصمة كابول منذ صباح أمس، بعد أن تمكنت من السيطرة على الغالبية الساحقة من الولايات الأربع والثلاثين، ورفضت قيادة طالبان حسب بيان رسمي دخول العاصمة بالعنف أو الحرب، وتنتظر أن تسلم الرئاسة والحكومة الأفغانية مراكزها بسلام. وكانت أعلنت جهات رسمية، أن الرئيس أشرف غني أحمدزي، ترك القصر الرئاسي ولجأ لمكان آمن في العاصمة.
وفي ضوء التطورات الدراماتيكية المتسارعة، فإن التقدير الواقعي يشير، إلى أن قوات طالبان قد تكون دخلت العاصمة كابول قبل نشر هذا المقال. وبدا واضحا أن المؤتمر الذي عقد في الدوحة قبل يومين بمشاركة وإشراف وإدارة الولايات المتحدة بالإضافة إلى الاتحاد الروسي والأوروبي والصين والدوحة وممثلين عن حركة طالبان والنظام السياسي الأفغاني، لا يعدو أكثر من مسرحية هزلية، لأن الستار على النظام السياسي الرسمي أسدل منذ بدأت المفاوضات بين أميركا وممثلي طالبان في العاصمة القطرية قبل أكثر من عامين، والتي توجت في 29 شباط/فبراير 2020 باتفاق بين الحركة وممثلي النظام السياسي، ومثل الجانب الأميركي زلماي خليل زادة، وهو ما مهد الطريق لما يجري الآن على الأرض الأفغانية. ولم تكن خطة النقاط التسع الأميركية، التي طرحها زادة في المؤتمر الأخير إلا الفصل النهائي من المسرحية، خاصة وأنها لم تجد قبولا لا من النظام ولا من طالبان. وبالتالي كان طرحها لمجرد ذر الرماد في العيون الرسمية الأفغانية.
بعيدا عن التفاصيل المتعلقة بالتطورات خلال العقدين الماضيين من الاحتلال الأميركي لأفغانسان، فإن الصورة الجلية في المشهد الأفغاني تؤكد على: أولا إقرار الولايات المتحدة بإداراتها المتعاقبة بتسليم حركة طالبان مقاليد الحكم على طبق من فضة، ولهذا دلائل كبيرة في معايير السياسة؛ ثانيا صحيح أن الحرب وفق المعلومات الأميركية استنزفت ألف مليار دولار أميركي، وألفين وخمسماية جندي أميركي قتيل، لكن الولايات المتحدة نهبت ثروات أفغانستان فوق وتحت الأرض، والتي تقدر بآلاف المليارات من الدولارات، وقتلت عشرات ومئات الآلاف من الأفغان البسطاء، ليس هذا فحسب، إنما مزقت أفغانستان وحولتها لدولة فاشلة بكل معايير الكلمة؛ ثالثا طالبان ليست عدوا للولايات المتحدة، إنما هي أداة من أدواتها، وبالتالي سلمت إدارة بايدن الحكم لحليفها، الذي صنعته وأهلته لقيادة المرحلة القادمة، وستكشف الأيام، أن هناك اتفاقا سريا بين أميركا والقيادة الطالبانية لإدارة الصراع في الإقليم؛ رابعا من يعتقد أن الولايات المتحدة تخلت عن دور الجماعات الإسلاموية المتطرفة وفي مقدمتها الاخوان المسلمين وعصاباتها المختلفة من "داعش" إلى "النصرة" إلى المسميات المختلفة في سيناء وسوريا وليبيا والصومال واليمن والعراق وغيرها من الدول يكون مخطئا؛ لأن الحقيقة الماثلة من النموذج الأفغاني تعكس الواقع؛ خامسا أفغانستان ستبقى خط مواجهة أماميا للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في مواجهة خصومها في الشرق الأوسط الكبير.
إذًا، من يعتقد من المراقبين السياسيين أن الولايات المتحدة خرجت مهزومة من أفغانستان، يكون مخطئا جدا، ولا يقرأ اللوحة جيدا، وانسحاب الجنود الأميركيين من الأراضي الأفغانية لم يكن سوى إعادة تدوير زوايا وأدوار الأدوات الأميركية في الدول الواقعة تحت سيطرتها، وهذا ما حدث في العراق، ويحدث في اليمين وليبيا، وهو ما قد يحدث في فلسطين لاحقا بشروط أخرى أكثر مؤاتاة لها ولحليفتها الاستراتيجية إسرائيل، والذي لن يقتصر دور حلفائهم من الإخوان عند حدود قطاع غزة، إنما سيمتد الانقلاب لما هو أبعد. وبالتالي نظرية، أن إسرائيل لن تسمح بسيطرة حركة حماس على الضفة، هي نظرية تحتاج إلى تدقيق ومراجعة. أميركا وإسرائيل وكل دول الغرب الرأسمالي لا تعنيها التحالفات من قريب أو بعيد، ما يعنيها هو مصالحها الحيوية، ومن لديه القدرة والإمكانية لتنفيذ مخططاتها الإستراتيجية في الإقليم وعلى رأسها المشروع الكولونيالي الصهيوني وفق الضوابط الأمنية الخاصة بإسرائيل وأميركا وأضرابهما.
وعليه، الدرس الأفغاني يتجاوز حدود القراءة الشكلية لما جرى ويجري على الأرض الأفغانية ليصل إلى أقاصي الشرق الأوسط وخاصة في الدول العربية عموما وفلسطين خصوصا. ومن يتابع التراجع النسبي والتدريجي لدول المعسكر الغربي في التعامل مع المسألة الفلسطينية، يستطيع أن يستشرف المستقبل غير السعيد، إذا قدر للسيناريو الأفغاني النجاح.