عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 12 آب 2021

أحمد يعقوب يشرب سيجارته الأخيرة

حسام أبو النصر

وكأنه يتنبأ بالنهاية القريبة حين كتب عن السيجارة الأخيرة، وكما كان يقول الاستسلام له موعد، رحل المسكون بالشعر، بين شوارع بغداد العظيمة، وازقتها، حين كاد الشعر أن يكون ديناً في العراق، وهو دائماً ما كان يعتز بأنه إبن التجربة العراقية، تلك التجربة التي خرّجت أجيالاً من الشعراء العرب، عندما كانت بغداد منارة الثقافة العربية، قبل ان ينتهكها الغزاة، وكان يفخر انه امتهن الشعر متجولاً في أزقتها وحاراتها وقهاويها، مروراً بالقاهرة، وبيروت، ورام الله، خاصة أنه برز كشاعر في فترة عربية، محتدمة ومضطربة وأليمة من التاريخ المعاصر عامة والعراق خاصة.

بدأ يعقوب الكتابة مبكراً في مرحلة الثانوية بمخيم اليرموك بسوريا وانتمى إلى جيل ثمانينيات القرن الماضي من شعراء الوطن العربي، وتأثر كثيراً بتجارب عالمية، برع في كتابة قصيدة النثر ومن ثم طور فيهالغوياً وجمالياً، وواكب حركة الحداثة، وكان يمتاز بالتجريب والتشكيل والانغماس بكل ما هو غريب ومجدد، بروحٍ سريالية تتماهى مع التجارب الاخرى وارتبط جدا بشعراء اميركا الجنوبية خاصة أنه درس في كوبا بل امتشق منها الحس الثوري، الذي صقل شخصيته فيما بعد، ومهد لالتحاقه بالثورة الفلسطينية،كانت تجربته غنية في لبنان حين تطوع مع الطلاب الفلسطينيين من كل دول العالم عندما اعلنت منظمة التحرير الفلسطينية التعبئة العامة، للقتال دفاعاً عن الوجود الفلسطيني في مواجهة الاجتياح الاسرائيلي، ونجا بأعجوبة من الموت عدة مرات واستشهد عدد من رفاقه، كما حدثني في سهرتنا اليومية، انه التحق بجبهة التحرير الفلسطينية، وكان الحديث دائما يأخذنا عن علاقته بأبو العباس الذي كانت تربطه به صلة قرابة وليست صداقة فقط. ورغم انتمائه للجبهة لم يخف لي حبه لحركة فتح، حيث كانت أول حركة حاول الالتحاق بها لكن للأسف رفضوا ذلك لصغر سنه، وبعدها لم يعد لها لكن بقي حاملا حبه لها.

عاش يعقوب مشتتا، مهاجراً بين مدريد وهافانا والقاهرة ودمشق وبغداد،وهذا ما جعله يجيد عدة لغات منها الاسبانية وقد ترجم عددا من الأعمال إلى العربية كما ترجمت أعماله للاسبانية.

وقد لقبته البروفيسورة بيلار غونثالث، عميدة أداب الشرق في جامعة مدريد بالشاعرٍ الحقيقيّ، "لوركا" فلسطين.. شاعر بلا وقت، لكنه يُحرزُ في لحظاتحريته شعريةً مكثفةً،حيويةً، ولا توصف.

عمل في بيت الشعر لعدة سنوات يكتب ويترجم، وهناك تعرض للاصابة بعد الهجوم والقصف الذي شهدته رام الله في الانتفاضة الثانية ولم تكن هذه معاناته الوحيدة بل في الحروب على غزة تعرضت منطقته للقصف العنيف منطقة ابراج المقوسي، ونجا حينها هو واولاده.

عشت معه أياما وليالي طوال في رام الله التحتاتقاسمنا اللقمة ومرارة البعد عن اهلنا، وكان البيت عامرا، عبارة عن ورشة وملتقى مفتوح يلتقي فيه مع الاصدقاء المثقفين ويتناقشون في امور السياسة والفكر والثقافة والادب، وكان الجدال غنيا وثريا متنوعا يدل عن ثقافته العالية ووعيه الوطني ومدافعا صلبا عن منظمة التحرير والمشروع الوطني باعتباره خيمتنا وان كل السلبيات لا يمكن ان تنفي ذلك، ورغم نقاشاته التي تصل للحدية أحيانا، إلا انه كان يفرض احترامه، رغم الاختلافات العميقة التي كانت تنتج عن اختلاط السياسة بالثقافة والفكر والاراء المتبادلة تصل لحد التراشق، لكن ما تلبث إلى أن تعود لطورها، لانه كان مؤمناً أن أي نقاش يجب ان يصل لبلورة فكرة، وصفاته التي حملها جعلته محط انتباه واحترام، حيث كان كريماً حد السخاء ومافي جيبه ليس له، شجاعاً وصلباً في المواقف ومغامراً، وعنيد جداً.

وعلى صعيد الاتحاد عايشته في الفترتين السابقتين الفترة التي كان فيها عضوا للامانة العامة وكان دائم النقد لحال الاتحاد وفي حالة جدال دائم لتصويب وضعه،رافضاً أي تدخلات وأي سلوك يمس المبادئ الاساسية التي نشأ من أجلها الاتحاد، لذلك قدم استقالته احتجاجاً على ما يحدث داخل الاتحاد وللضغط لإعادة تصحيح المسار وكنت انا وهو في نفس المسار في ذلك الوقت واجتمعنا على هذا الهدف الذي افضى بالنتيجة إلى اعادة الحياة الديمقراطية إلى الاتحاد وانتخاب امانة عامة جديدة واعتكف بعدها، رافضاً أن يكون فيها ليعطى فرصة لاخوة اخرين، وخلال اجتماع المؤتمر تم انتخابه ضمن المجلس الاداري، وثم انتخب نائبا لرئيس المجلس الاداري لاتحاد الكتاب محمد عياد.

عاش يعقوب في سنواته الاخيرة حالة القلق والترقب من القادم، وصراعا مع الماضي، كانت تفاصيل صغيرة تستفزه، سريع الغضب وسريع الهدوء، كل ذلك بسبب تفكيره الدائم بأهله وأولاده في الشتات وتسوية أوضاعه الحياتية التي ارخت بظلال سلبية على صحته وعطائه حال أي إنسان مرهف الحس، لما لا وهو شاعر كان يحمل كل هذه الاحاسيس وينثرها في أبيات قصائده، كان يعيش الصراع الداخلي بين تمسكه وبقائه في وطنه وان تكون نهايته فيها، وبين ان يختار العيش في الشتات ملتحقاً بعائلته، وهذا ما كان يقلقه، فعاش غريب الوطن، وغريب الشتات، يحاول الهروب ما يستطيع من هذا الواقع لذا كانت قهوة انشراح خاصة هي ملاذه، ومن يبحث عنه يجده هناك، ليمسي معلما من معالم رام الله القديمة، يجتمع حوله المثقفون والفنانون والكتاب يتسامرون يضحكون ويلعبون ويلهون ويتصارخون و(يحردون) ثم يعودون لطاولة واحدة، كل منهم له قصته ومأساته ويهربون من تلك المآسي على طاولة الزهر(النرد) أو على لعبة ورق، تنسيهم بعضاً من تلك الجراح.

يعقوب كان نموذجا الفلسطيني المشتت في وطنه وخارج وطنه، في سنواته الاخيرة لم يعش حالة استقرار، بين عائلته الصغيرة المقيمة في مصر أولاده وزوجته، وبين عائلته الكبيرة التي غربتها الاوطان بين سوريا والامارات والاردن، وضل قلبه في وطنه وعقله ووجدانه معهم في شتاتهم يهمل همهم، كان دائم القلق بسبب الأوضاع التي تمر بها القضية الفلسطينية وما وصلنا له، وكان دائم النقد والمقارنة بين تجربة الماضي والحاضر.

برز عمله الأدبي والثقافي في مجالَي الشعر والترجمة، بحيث أصدر العديد من المجموعات الشعرية والترجمات عن اللغة الإسبانية، كما صدر له عن دار النشر الإسبانية "أردورا": "مراثي الكافور" (1998)، الذي ضم مختارات من قصائد الشاعر منذ 1986 حتى 2015، باللغتين العربية والإسبانية، كما تضمن شهادات للشاعر عن زيارته الأولى إلى طيرة حيفا في جبل الكرمل بعد عودته إلى أرض الوطن، وكان قد كتبها بالإسبانية مباشرة، كما تضمن الكتاب مقاطع من مذكرات الشاعر خلال العدوان على غزة في 2014.

وصدر له أيضاً: "أفراح حلاج الـنوى"، "لمن أرسم المنفى"، و"عراقيّات"، و"البقاء على قيد الوطن"، و"البالوع"، و"في الطريق إلى البوطيقا"، و"روح لوركا تقريباً"، وغيرها، كما له عديد الدراسات والكتب البحثية والمقالات.

رحل احمد يعقوب وهو يتنبأ بسيجارته الأخيرة، رحل ورفاقه في الجبهة مازالوا ينتظرونه في المكتب كل صباح، ترك واصل ابو يوسف ينتظر جرس مكالمته اليومية، رحل ولم يلعب مع زعل ابو رقطي مبارة الاعتزال التي وعده بها، رحل وترك يوسف عوايص وحيداً يرمي النرد على الطاولة، توقف قلبه عن النبض بعد سبع محاولات للانعاش في صراع البقاء دون جدوى، رحل ثابتاً لم يتخل عن افكاره التي دافع عنها، ودفع ثمن كثير منها، رحل وترك اصدقاءه كالأيتام على قارعة القهوة ينتظرونه، يكذبون الموت، رحل وتركني بلا مناكفات معه، وكأنه خرج للتو لشراء علبة سجائر جديدة دون عودة.