عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 12 آب 2021

أحمد يعقوب.. دخان لغة السيجارة الأخيرة

مراد السوداني

كيف لي أن أفتح كتاب المراثي لتنهض فيّ أشجار الدمع.. ومساكب الدمع؟

ولكنه "السارق الأبدي".. الذي يصول ويجول سعياً لتغييب الجميلين..

وها هو يقطف من حديقة الإبداع والشعر زهرة بيضاء ناصعة تسرُ الناظرين..

الصديق أحمد يعقوب ابن طيرة حيفا..                                           

التقيته قبل عودته الناقصة للمتاح من فلسطين في بغداد وهو يتأهب للرحيل عنا إلى الوطن..على هامش مهرجان المربد الشعري كان لنا حديث طويل حينها، وتمنى علي أن أحمل له حقيبة ملأى بالكتب، فحملتها بكل محبة وأوصلتها إلى رام الله.

كان بيت الشعر قد أطلق مبادرة قبل سقوط بغداد بين أنياب الطغاة وهولاكو الجديد، لطباعة عشر مجموعات شعرية لفك الحصار الثقافي عن مثقفي العراق الذين طالما وقفوا إلى جانب فلسطين وثقافتها..                         

وهي مبادرة تفيض بالرمزية أمام عطاء العراق العظيم الذي حنّت دماء شهدائه تراب فلسطين السماوي.                                               

كان أحمد يعقوب دليلنا لاختيار المجموعات الشعرية والإبداعات العراقية..

بعد عودته التحق أحمد بأسرة "بيت الشعر".. وبدأ بترجمة مختارات الشعراء من أصول فلسطينية في أميركا اللاتينية.. وقدمها في ثلاثة ملفات سمينة..  

وبدأ فعله الثقافي.                                                                 

العام 2002 حاصر العدو رام الله والمقاطعة، وكنا في بيت الشعر وكان أحمد في الطابق العلوي من "بيت الشعر".. أصابته رصاصة في البطن كادت أن تودي بحياته، ونقلناه الى مستشفى رام الله، والدبابة الاحتلالية تبعد قليلاً عن "بيت الشعر".                                                                     

ومازال رصاص مستوطنة "بساغوت" محفوراً على واجهة "بيت الشعر"حتى اللحظة.                                                               

وعندما أصبحت أميناً عاماً للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، أصبح أحمد يعقوب عضواً في الإمانة العامة معنا.. ليواصل مشواره الابداعي وترجماته عن الإسبانية.. فقد كان شغوفاً بلوركا

    أحمد.. ابن مخيم اليرموك عاصمة الشتات.. الذي أخذ من بغداد سياقها الثقافي، وكان لصيقاً بقاع المدينة مع جمهرة من الشعراء والصعاليك.. كان معجباً بالفيلسوف خضير ميري.. وأشار علينا بطباعة "صحراء بوذا"، و"أيام الجنون والعسل".. وفعلاً قمنا بطباعتها عن "بيت الشعر". 

أخذ من الصعلكة حيزها الخروجي والنقدي، نفور حصان اللغة ونزق الصهيل. الإقامة في لجّة، الاعتراض وهو ممشى أثير لدى الشعراء العصاة الذين لا يطيقون الامتثال وشكائمهم ترفض الكبح والانصياع.

هكذا.. دون سابق إنذار يخطف الموت الشاعر النبيل والطيب ابن يعقوب احمد

هكذا يهبط الخبر ثقيلاً على المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي وأصدقائه في العالم.

يالقسوة اللحظة التي تلقي بظلال الحزن والفجيعة على اتساع الروح واشتداد وجعها المرّ

لقد كثف أحمد سيرة الفلسطيني في هجاجه وشتاته..

حيث طريق "عوليس" الفلسطيني الذي قلَبته المنافي والمغتربات ويعود بعد اغتراب ناقع إلى "اغتراب وطني" والثاني أشد فتكاً للروح والجسد.

في سنواته الخيرة تواتر عطاؤه الشعري والمعرفي، إبداعاً وترجمة ومداً لجسور التواصل والتثاقف مع العمق الإنساني، ضهيراً لخريطة الإبداع الفلسطيني..

ومن خلال نشاطات الاتحاد في استضافة الكتاب والأدباء الناطقين بالإسبانية كان أحمد، رحمه الله المترجم المرافق للوفد في كل جولاته في المحافظات..

لقد خسرنا واحداً من فواعل الثقافة الفلسطينية وشاعراً مناضلاً ظلَّ على ثابت فلسطين وعهدها الراسخ الأكيد.

 

مرثية الشاعر النبيل

          تمضي إلى ما كنت تحدسُ..

تشعل الوقت المعلَّب بالدموع

هذي "سيجارتك الأخيرة"

بزهرة النار الضريرة  تستظل

توقظ ُ المعنى، فتنهض في مروج الماء أغنية

وتصيحُ في البرِّ "الُغَرْيرِيَّات" والشجرُ القتيل

وتشقُّ أحزان الطريق النبع في جبل المواجع

فتفيض أحلام مبعثرة وتمضي رحلةُ الرهبوت

والقصصُ القصيّةُ في امتداِد الحزنْ

تمضي إلى ما كنت تعرفُ..

خذلتك رقصةُ قلبك الرفّاف

واللغةُ الخجولةُ في مناديل الصبايا

كلُّ الحكايا أمطرتك بدمعها الهتّاف

لم تحتمل ْهذا الزمان النذل

 لم تحتمل لغة البياض ِعلى طريق الثورة الحمراء

والشعر المنازِلْ

لم تحتمل كيف انشباك اللحظة الخرساء

ما بين المقاتلِ والمقاول ْ

هذي "سيجارتك الأخيرة" من دخانِ حروفها

تعلو غيوم للبكاء وللعويل..

تعلو دموع للغياب وللرحيل.