عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 12 تموز 2021

مصر والسودان وسد النهضة

شرفة الحياة- فتحي البس

اثيوبيا على لسان رئيس وزرائها آبي أحمد علي، تتحدى مصر والسودان، وتضرب عرض الحائط بمصالح دولتين جارتين بينهما تاريخ طويل وتداخل اجتماعي واقتصادي. في عام 1902، ضم الإنجليز إقليم بني شنقول السوداني-المصري آنذاك، إلى اثيوبيا في صفقة، حصل خلالها امبراطور اثيوبيا على هذا الإقليم الغني بالذهب، مقابل ضمان جريان النيل الأزرق إلى مصبه دون عوائق، وتوزيع عادل لمياه النيل، شريان الحياة الذي تعتمد عليه مصر للشرب والري بنسبة تقترب من 97 بالمائة. تقيم إثيوبيا سد النهضة على أرض سودانية بالأصل، تسكنها غالبية من أصول عربية مسلمة تكره أن توصف بأنها اثيوبية، وقامت بها حركات تمرد في حقب تاريخية تطالب بالعودة إلى السودان أو على الأقل بالحكم الذاتي.

تتنصل إثيوبيا من هذه الاتفاقات بحجة أنها استعمارية، فردَّت وزارة الخارجية السودانية على ذلك بأن الأرض التي يقام عليها السد تعود سودانية إذا تم التخلي من قبل اثيوبيا عن الاتفاقيات المذكورة، فهل ضرب الحائط بالجهود الدبلوماسية يفتح صراع الحدود على مصراعيه، فيستعيد السودان أرضه وتصبح السيادة على الأرض والسد لمصر-السودان؟.

منذ أشهر، استعاد السودان أراضي سيطر عليها الاثيوبيون لفترة طويلة، وتوقف عن استعادة بقية الأراضي، لدواع يعرفها أهل السودان أكثر منا، لكن الناطقين باسم الجيش السوداني يصرون على استعادة الأراضي السودانية حتى حدود 1902. وجزء من هذه الأراضي محاذٍ لإقليم تيجراي، الذي تحرّر مؤخرا من السيطرة الاثيوبية، بعد استعادة جبهة تحرير تغراي قوَّة مفاجئة بعد انهيار تام، ويعتقد على نطاق واسع أنها تلقت دعما ومساندة مؤثرة من السودان أو مصر أو كليهما.

تستند اثيوبيا في تحديها إلى مصالح وعلاقات واسعة مع دول أجنبية وعربية. لذلك كان اجتماع مجلس الأمن الأخير الذي لجأت اليه مصر والسودان في محاولة دبلوماسية أخيرة فاشلا في اتخاذ موقف وأعاد الملف للمفاوضات بإشراف الاتحاد الإفريقي، الذي فشل سابقا بدوره في إقناع اثيوبيا باعتماد الدبلوماسية للتوصل الى اتفاق عادل. تفاصيل الحراك الدبلوماسي المصري السوداني معروفة، وتلقى دعما خجولا متأخراً من دول الجامعة العربية.

من يتتبع الاستثمارات الصينية والروسية والكثير من الدول والأفراد يفهم موقفها، ومن يتتبع نشاط إسرائيل في تدريب وتسليح الجيش الاثيوبي، ونشاطها الواسع هناك يفهم أن اثيوبيا تستند إلى إسرائيل عسكريا.

ولكن ما لا يستطيع أن يفهمه المواطن العربي لماذا لم تبادر الدول العربية، خاصة دول مجلس التعاون بدعم مصر بقوة بمجرد التهديد بتجميد أو سحب استثماراتها الضخمة في اثيوبيا لدفعها الى إيجاد حل عادل مع دولة عربية أمنها وحياة سكانها في خطر. إن من يبحث عن حجم الاستثمارات العربية في اثيوبيا يُذهل من ضخامتها، وكان يمكن أن تستخدم في قضية مصيرية عربية وتجنب مصر والسودان عملا عسكريا له نتائج تهدِّد، كما قال وزير الخارجية المصري وزميلته السودانية، الأمن والسلم العالميين.

الآن، أصبح الحل العسكري مرجّحا. طبول الحرب تقرع، فهل يسمعها العرب ويساندون مصر وشقيقتها السودان، أم يردِّدون مواقف باهتة لا تسمن ولا تغني من جوع. لا أحد يريد الحرب، ولكن لا أحد يرضى المهانة لمصر، ولا للسودان.

أردد دائما، أن مصر القوية والقائدة ضمانة للأمن القومي العربي ومصالح الأمة. بمراجعة التاريخ، يوم ضعفت مصر وخرجت من ريادتها وقيادتها، حلّت كل الكوارث في العالم العربي. ها هي تعاود القيام بدورها المنذورة  له عبر التاريخ، لنكن معها. ونردد ما صَدحت به أم كلثوم من كلمات أحمد رامي: في أكتوبر 1952، بعد أشهر من قيام الثورة المصرية:

نحبها من روحنا

ونفتديها بالعزيز الأكرم

......

يا مصر يا مهد الرخاء

يا منزل الروح الأمين

إنا على عهد الوفاء

في نصرة الحق المبين.