مواصلة الحوار مطلوبة
نبض الحياة - عمر حلمي الغول
هبة القدس العاصمة الأبدية وتداعياتها على المستويات كافة، بما فيها ما حصل في محافظات الجنوب تعتبر معركة مهمة، ويخطئ كثيرا من يقلل من قيمتها وأهميتها، كما يخطئ كثيرا من يبالغ فيها، أو يعطيها أكثر من قيمتها وحجمها، وأيضا يخطئ ألف مرة من يجزئها، أو يغلب قطاعا على قطاع من قطاعات الشعب الثلاثة (القدس العاصمة وأبناء الشعب في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة وأذرع المقاومة في قطاع غزة)، مجموع الكفاح البطولي لأبناء الشعب شكل إنجازا مهما، وصفته فيما سبق بأنه استحضار لإضراب عام 1936 بمعايير اللحظة السياسية، ما أسهم في التفاف شعبي في الرأي العام الفلسطيني في دول الشتات والمهاجر والعربي والعالمي.
وإنجازات الهبة الرمضانية البطلة تمثلت في الصمود ومواصلة التحدي لأدوات البطش الصهيونية من جيش وحرس حدود وشرطة وطيران وزوارق بحرية، وعدم استسلام قطاعات الشعب وأذرعها الكفاحية تحت شدة الضربات الوحشية الصهيونية لإرادة العدو، وتمسكها بالدفاع عن زهرة المدائن، ورفض عملية التطهير العرقي في أحياء العاصمة الأبدية، خاصة في حي الشيخ جراح، والتأكيد على حقوق الشعب في الحرية والاستقلال والعودة وتقرير المصير. لكن غير ذلك من الإنجازات لا أساس له، لأننا لم نتمكن من تغيير موازين القوى حتى اللحظة في القدس، ولا في معركة المسجد الأقصى، ولا في معركة التطهير العرقي في أحياء العاصمة الستة وفي مقدمتها حي الشيخ جراح وحي بطن الهوى وعموم أحياء سلوان. وبالتالي مفيد وضروري ونحن نسجل الاعتزاز بالإنجازات، أن نتواضع ونقرأ اللوحة جيدا دون مغالاة أو مبالغة.
لكن حركة حماس كعادتها شاءت تحويل الإنجازات المذكورة آنفا إلى نصر رباني كما ذكر يحيى السنوار وباقي قادة الحركة، واعتبرت المعركة بأنها تحول استراتيجي، وهذا تضخيم إسقاطي وإرادوي وذات خلفيات محسوبة، وأجندات ذاتوية مكشوفة، لا تمر على أي عاقل. ولا أريد هنا ان أشير إلى الخسائر التي نجمت عن المواجهة في الـ11 يوما الأخيرة على جبهة قطاع غزة، ولا أود أن أبخس من قيمة المنجز، لأن المردود الإيجابي للشعب كله، وليس لحركة حماس أو حركة الجهاد أو حركة فتح وباقي فصائل المنظمة.
كما لا أريد أن أقف مطولا أمام خلفيات فرع جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين القديمة الجديدة، ولا أريد أن أكرر مواقفي الراسخة من التنظيم الدولي للاخوان المسلمين في أرجاء الدنيا خاصة في فلسطين، لا سيما وأني صاحب موقف واضح وثابت لن يتغير ما لم تتغير حركة حماس وتتوطن في المشروع الوطني بشكل سلس وضمن الرؤية الوطنية، لا وفق حساباتها وحسابات حركة الجهاد الإسلامي، اللتين حاولتا في القاهرة يوم الأربعاء الماضي فرض شروطهما على حركة فتح، حيث طلبتا من القيادة المصرية (جهاز المخابرات) أولا فرض حضور قوى محسوبة عليهما لزيادة حجم القوى المؤيدة لهما في الحوار؛ ثانيا حضور الرئيس أبو مازن للحوار على رأس حركة فتح، في محاولة لـ"تقزيم" مكانة رئيس الشعب الفلسطيني ورئيس ممثله الشرعي والوحيد؛ ثالثا تشكيل قيادة وطنية مؤقتة، وبالتالي شطب دور قيادة المنظمة الحالية؛ رابعا تشكيل لجنة خاصة لإعادة تشكيل المجلس الوطني والمركزي وفق أجندتهما الخاصة خلال ثلاثة شهور .. إلخ، على اعتبار أن الإنجاز محصور بالحركتين، وبالتالي على الآخرين خاصة على قيادة حركة فتح "الإذعان" و"تسليم" مقاليد السلطة والمنظمة لـ"السادة الجدد"! وكأن المعركة كانت مع حركة فتح وقيادة منظمة التحرير، وليست مع العدو الصهيوني، وهذا شكل من أشكال الإسقاط الرغبوي الغبي، والهبل السياسي واستغباء للعقول وللواقع وللمنطق واشتراطات اللحظة السياسية، ونسيت كل من الحركتين خاصة حركة الإخوان المسلمين في فلسطين أن المعادلة السياسية الوطنية والعربية والدولية ومع دولة الاستعمار الصهيوني لا تخدمها، لا بل ستكون على حسابها، وقادم الأيام كفيل بكشف المخفي.
من المؤكد من حق الحركتين حماس والجهاد أن تطرحا ما تريدان من المواقف، ولكن عندما تدخلان لجادة الحوار الوطني، عليهما الترجل عن المواقف الاعتباطية والمفرطة في تضخيم الذات. نعم، كلتا الحركتين جزء من النسيج الاجتماعي والسياسي للشعب، وللأذرع العسكرية التابعة لهما دور، لا أحد ينكره، ولكن على الحركتين النزول عن شجرة الغرور والأكاذيب والادعاءات المفرطة، لأن هبة القدس شارك فيها الكل الوطني، وقطاعات الشعب كافة من رأس الناقورة حتى أم الرشراش، وأيضا ابناء الشعب في الشتات والمهاجر من خلال تجييش الرأي العام العربي والعالمي.
ومع ذلك، ورغم المعرفة المسبقة لأجندة الإخوان المسلمين المعروفة للجميع، الهادفة للاستئثار بمنظمة التحرير لتفريغها من ثوبها وهويتها الوطنية، ولركوب "بردعة" الشرعية لتنفيذ الدور الوظيفي، إلا أن المصلحة الوطنية تحتم مواصلة الحوار وفق المصالح العليا للشعب، ونزع أظافر الغطرسة الإخوانية، وتقليمها ارتباطا بمصالح الشعب. لا سيما وأن هناك قطاعا من الشعب للأسف يجهل خلفيات وأجندات حركة حماس، ما مكنها من تضليله وخداعه، وبالتالي المصلحة الوطنية تفرض الذهاب للحوار على أرضية الأهداف الوطنية ومصالح الشعب العليا، والعمل على إدخال الحركتين لمؤسسات المنظمة كلها وفق أوزانها الحقيقية، وعدم التنازل لأي من الحركتين تحت أي ظرف من الظروف، وعلى كلا الحركتين القبول بالدور الريادي لحركة فتح، إن شاءتا الشراكة السياسية الحقيقية.
وسأنهي مقالتي ببيت شعر ليتنبه الجميع لحقيقة أصحاب الأجندات الوظيفية المكشوفة:
برز الثعلب يوما في ثياب الواعظينا
ومضى في الأرض يهدي ويسب الماكرينا
مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا.
والباقي عندكم.