حماس تبتز المصالحة
د. رمزي عودة
فشلت القاهرة في توحيد الصف الفلسطيني في محادثات القاهرة التي كان من المقرر أن تجري اليوم بحضور حماس وفتح وباقي الفصائل، وقد سعى المصريون من وراء جهودهم هذه للتوصل إلى ملف هدنة طويل الأجل في القطاع، والتوصل إلى تفاهمات حول ملف تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل، إضافة إلى الاتفاق على ملف إعمار غزة، ومن ثم التوصل إلى اتفاقات مع مختلف الفصائل الفلسطينية كجبهة فلسطينية موحدة في إطار تحقيق المصالحة الوطنية. إلا أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، حيث فوجئت القاهرة بتعنت موقف حماس في مختلف هذه الملفات لا سيما في ملف المصالحة الداخلية. وانزعجت القاهرة بقوة من خطاب حماس الذي عبر عنه الوفد المفاوض في القاهرة بأن حماس قبل 10 أيار/مايو ليست كحماس اليوم، في إشارة إلى خطاب السنوار السابق حول انتصار المقاومة في معركة سيف القدس وضرورة استثمار هذا الانتصار. وبغض النظر عن المعنى السياسي لفكرة الانتصار، إلا أن أي مكاسب حققتها المقاومة في الحرب الأخيرة، كما يقول مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة عبد العليم محمد عبد العليم محمد، يجب استثمارها في سياق العمل الوطني الفلسطيني برمته وليس بشكل فصائلي لصالح حركة حماس وبعض الفصائل التي تدور في فلكها. وللأسف، فإن الذي طالبت به حماس في محادثات القاهرة لا يخرج عن كونها تبحث عن مكاسب فصائلية بالأساس، فقد اشترطت عدة شروط لم تكن في كل تفاهمات المصالحة لا سيما اتفاقات عام 2013، وعام 2017.
بدايةً، اشترطت حماس التفاوض مع الرئيس أبو مازن مباشرة، بالرغم من أنه رئيس للشعب الفلسطيني ولا يجوز أن يعبر عن أي فكر فصائلي، ومع أن الرئيس أبو مازن لا يمانع بتاتاً الحضور للقاهرة والاجتماع مع الفصائل، ولكنه وبالتفاهم مع القاهرة، أرجأ زيارته حتى يتم التوافق بين الفصائل ليتوج الاتفاق النهائي بالتصديق عليه. وهو الأمر الذي حدث في معظم مفاوضات الفصائل بما فيها مفاوضات القاهرة عام 2005. والراجح أن حماس في اشتراطها لحضور الرئيس أبو مازن في المفاوضات، كانت تسعى إلى وضع إسماعيل هنية في المركز نفسه مع السيد الرئيس وكأننا أمام دولتين برئيسين مختلفين.
وفي السياق نفسه، اشترطت حماس جملة أخرى من الشروط الجديدة التي نسفت اتفاقات المصالحة السابقة، مثل ضرورة إجراء انتخابات مجلس وطني خلال ثلاثة شهور بالرغم من أنهم يعوا استحالة إجراء هذه الانتخابات في هذه الفترة القصيرة لاعتبارات سياسية ولوجستية تتعلق أساساً بالوجود الفلسطيني في الداخل المحتل وفي الشتات. كما اشترطوا تشكيل لجنة تنفيذية مؤقتة لمنظمة التحرير الفلسطينية تحصل فيها حماس والفصائل الموجودة في غزة على نصيب من المقاعد يتجاوز نصيب حركة فتح، وهي التي أسست المنظمة وشكلت عمودها الفقري والنضالي منذ عام 1969 وحتى اليوم. كما اشترطت حماس أن يشارك في محادثات القاهرة فصائل أخرى شاركت في الحرب الأخيرة مثل كتائب الأحرار وغيرها من الفصائل، وقامت عن عمد بإرسال دعوات لأشخاص محسوبين على التيار الخياني الدحلاني بالحضور من غزة والمشاركة في هذه المحادثات.
في الإطار السابق، يؤكد الدكتور أشرف أبو الهول الخبير المصري في الشأن الفلسطيني بأن القاهرة شعرت بخيبة أمل جراء تعنت موقف حماس في هذه المفاوضات، واصفاً المرحلة الحالية للمصالحة بأنها تمثل تراجعاً كبيراً عن الخطوات السابقة في المصالحة. ويتابع أبو الهول في حديث مع التلفزيون المصري، بأن وضع غزة اليوم هو أسوأ بكثير من وضعها قبل العدوان الإسرائيلي، فقد دمر العدوان الإسرائيلي مناطق كثيرة في القطاع، وإسرائيل أوقفت الأموال القطرية التي كانت تتدفق إلى قطاع غزة بمعدل 30 مليون دولار شهريا، كما أن إسرائيل فرضت قيوداً أكثر على السلع الداخلة الى القطاع، وقلصت مناطق الصيد البحري من 15 ميلا بحريا إلى 6 أميال.
في النتيجة، فإن حماس عليها أن تسعى لتحقيق اتفاق مصالحة مع حركة فتح وباقي الفصائل الوطنية بأسرع وقت ممكن، وذلك حتى تنقذ غزة وتعيد إعمارها، وإذا ما استشعرت حماس أنها قد حققت بعض المكاسب السياسية من جراء العدوان، وهو ما لا نرفضه، فعليها إذن أن تعيد استثمار هذه المكاسب في سياق وطني يبنى على الشراكة في الفعل الوطني المقاوم ضد الاحتلال. وفي السياق، فإن حماس عليها أن تدرك جيداً أن الذي أعاد الانتباه العالمي للقضية الفلسطينية هو هبة المقدسيين وصمود الشيخ جراح وليس فقط صواريخها. وبالضرورة، فليس لها الحق في ابتزاز الكل الفلسطيني من أجل تحقيق مصالح ذاتية وفصائلية. اليوم، الأسرى في السجون يتطلعون بشدة إلى اتفاق تبادل الاسرى، والمنتفضون في الضفة الغربية يتطلعون الى اتفاق مصالحة، والفلسطينيون الجرحى والثكالى في غزة يتطلعون الى اتفاق مصالحة، وعلى حماس أيضاً أن تتطلع الى مطالب الفلسطينيين أنفسهم، وليس إلى مطالب جهات إقليمية غير عربية.