عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 25 أيار 2021

حياة فائضة

احمد يعقوب

لحسن الحظ أو لسوئه ، أعيش في حي ساحلي شمال مدينة غزة ، في الطابق الحادي عشر من عمارة مكونة من اثني عشر طابقا . أعيش أنا وعائلتي وهي ، زوجتي ، و ولديّ (في سن العاشرة و والرابعة ) وابنتي في الثامنة من العمر.

و السيجارة في فمي ، أزفر الدخان الذي ينتقل في الهواء. وأرى في تشكلات الدخان ارتسام تلك الليلة الرهيبة ، حيث اكتشفت أشياء لم أكن أعرفها عن نفسي.

كنا نتناول العشاء مع أدونيس وليندا ونديم وفجأة حدث انفجار هائل جعل الأطفال يقفزون من مقاعدهم بهلع . وانتشرت صرخاتهم التي " تسمط " القلب ، وأعينهم البريئة تنظر إليّ وكأنها تقول : بابا ، افعل شيئًا من أجلنا.

 وانا شخصيا لا أعرف ماذا أفعل ؛ أنا خائف أيضًا وقلبي تتزايد خفقانه .

بالكاد أتذكر أن علي أتصرف كأب . فأتظاهر بدور من يجب أن يكون هادئًا ، أعانق الصغار الثلاث ، وأوزع القبلات عليهم . وأبدأ في غناء أغنية "  Stand by My" لتيمون وبومبا. فيبدؤون بغنائها معي.

لقد بدأ الهجوم بالفعل. وبالنسبة لي ، لا يهم كيف يتم تعريفه: إنه كارثة ، ولا شيء أكثر من ذلك.

الدخان الأسود يصل إلى نافذتي مختلطًا بصفارات سيارات الإسعاف وضجيج  الطائرات الأكثر تطورا في العالم مع  طنين وزنين الطائرات بدون طيار.

قطاع غزة ليس دولة ، ولا يوجد به جيش ولا بطاريات مضادة للطائرات ، ولا يوجد في القطاع بأكمله ملجأ عام واحد يمكن للأطفال أو كبار السن اللجوء إليه. ولا توجد صفارة إنذار واحدة للتحذير من بداية الهجوم.

تعاني غزة من انقطاع طويل في الكهرباء والمياه والوقود والأدوية. اثر الحصار الذي تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات. الآن لا توجد كهرباء أو إنترنت أو تلفزيون لمتابعة الأخبار. لم يتبق لي شيء لأفكر فيه.  ودخان القصف هائل ولا أستطيع أن أجد وصفاً مناسباً لهذه المجزرة.

الوقت والكلمات يبهتان، لان القنابل لا تسمع صرخات الاولاد ولا ترى عيون البنات وهي ممتلئة بالأسى.

لا توجد عقيدة متطرفة متوافقة مع السلام. وبطبيعة الحال ، فإن تحديد أقصى حد لهذا وذاك فهو التحدي الأكبر للبشرية. وباسم تلك الحدود يقتل العديد من الرجال بعضهم البعض. لكن هل النوم والاستيقاظ في خوف طوال الوقت ، هو حياة؟ كم عدد الضحايا الذين سيسقطون كل يوم ؟

يؤلمني سماع الخبر عن أب قد مزق دفتر عائلته بينما كان يصرخ مثل أسدٍ جريح.

يعلق الجيران أنه فقد عقله. فلقد صار الدفتر عديم الفائدة لأن جميع أفراد عائلته اندثروا ودفنوا تحت أنقاض منزله الذي تعرض للقصف.

في مجال آخر ، يختلف المحللون في توقعاتهم. والبعض يقول إن الهدف من العدوان هو اظهار الثمن الباهظ المترتب على إطلاق الصواريخ المستمر من قبل حماس . يشكك آخرون في العملية العسكرية الوحشية لأن العواقب قد تكون خسائر فادحة.

 ورغم أن القوة العسكرية عمياء ، يواصل الطيران استهداف أهداف مدنية ، في محاولة لزعزعة استقرار الجبهة الداخلية الفلسطينية. وعلى الرغم من الخسائر والقتلى والجرحى والدمار الذي لحق بسكان غزة ، فلقد دخلت المعركة صراع إرادات.  وأهل غزة يعرفون جيدًا  قيمة الحياة ، لأنهم يرون باستمرار وجه الموت