عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 25 أيار 2021

المسألة اليهودية

شرفة الحياة- فتحي البس

جاء اليهود إلى فلسطين غزاة، وروايتهم معروفة، ومعروف في الروايات التاريخية قصة سبيهم على يد نبوخذ نصر وعودتهم بواسطة كورش الفارسي وما حلّ بهم على يد الرومان، وهروبهم من فلسطين لاحقا إلى شتى أنحاء العالم، واضطهادهم وقتلهم وتعذيبهم على يد أتباع السيد المسيح لاتهامهم بقتله. لست بصدد كتابة تاريخ اليهود، بل التأكيد على أن الفلسطينيين ليس لهم علاقة "بالمسألة اليهودية"، بل ضحية لمساراتها المتعرجة، ويتعرضون الآن من قبل الحركة الصهيونية- التي نصَّبَت نفسها ممثلة لليهود ومنقذة لهم- للقتل والتعذيب والطرد والتمييز وكأن الصهاينة يعيدون إنتاج أساليب القهر التي عانوها ضد الشعب الفلسطيني، دون اتخاذ العبرة مما حصل معهم في أوروبا، ففي حقبة علا شأنهم، وفي حقب أخرى كان هَمُّ المجتمعات الخلاص منهم وطردهم بتهم شتّى، أهمها رؤيتهم للآخرين حيث عاشوا على أنهم من الأغيار الذين يجب أن يكونوا في خدمة اليهود. وجِّهَت لهم تلك المجتمعات تُهما من نوع تسميم الآبار لقتل المسيحيين، وذبح المسيحيين وتصفية دمهم لصناعة فطير خاص باحتفالات دينية يهودية. حتى في حقبة الحروب الصليبية تم اضطهاد اليهود من قبل غزاة بلادنا، كل المشرق العربي وفلسطين ومقدساتها.

أضيف للتهم التي وجهها الأوروبيون لليهود أنهم عملوا ضد الكنيسة حين منعت الإقراض بالربا، فامتهنها اليهود الذين قيل إنهم جمعوا أموالاً طائلة من فقراء المسيحيين وأغنيائهم، فاشتدت المسألة اليهودية: كراهية تلاحقهم في المعازل التي فرضوا على أنفسهم العيش فيها أو فرضت عليهم.

ولأن الأدب يعكس حياة المجتمعات ورؤاها، نستذكر مسرحية شكسبير "تاجر البندقية "، التي كتبت في القرن السادس عشر والتي أوضح فيها شكسبير النظرة العامة لليهود: مرابون قساة القلوب وبلا رحمة، مكروهون ومنبوذون، من خلال وقائع المسرحية وشخصيتها الرئيسية المرابي الجشع "شايلوك"، ومعروف أن هذه الكراهية كانت السبب في إصدار ملك انجلترا إدوارد الأول أمراً بطرد كل اليهود من بلاده بتاريخ 31 أغسطس/آب 1290، تبعته على سبيل المثال إسبانيا بعد ثلاثة قرون.

وعودة للأدب كمرآة للمجتمعات، أسْتشهد بـ "دوستويفسكي"، التي تقدم رواياته تحليلاً عميقا للأوضاع السياسية والاجتماعية في روسيا في القرن التاسع عشر، والذي أظهر كرها وبغضا بلا حدود لليهود، في انعكاس لموقف المجتمع، والذي بسببه قامت القوات القيصرية بارتكاب مجازر ضد اليهود في أماكن كثيرة منها أوكرانيا وبولندا.

هذا الاضطهاد قاد إلى ظهور الحركة الصهيونية لإقامة دولة لليهود كحل للمسألة اليهودية، فعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1879، برئاسة تيودور هرتسل، ووضعت في هذا المؤتمر وما تلاه خطط الهجرة إلى فلسطين. وما جاء بعد ذلك معروف، من اتفاقية سايكس بيكو وصدور وعد بلفور ومذابح النازيين ضد اليهود. وفي كتاب الرئيس محمود عباس "الوجه الآخر، العلاقة السرية بين النازية والصهيونية"، شرح مفصل لإسهام النازيين في تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين للخلاص منهم، مما يدفع للاستنتاج أن الدول الأوروبية توافقت على إقامة الدولة اليهودية في فلسطين لحل المسألة اليهودية ولإقامة دولة تخدم مصالحهم عسكريا واقتصاديا وسياسيا قبل أن تتبنى الولايات المتحدة الأميركية حماية هذا المشروع وتمكينه وتزويده بمقومات الحياة والأسباب معروفة.

إذن إقامة دولة إسرائيل لم تكن حُبًّا باليهود، بل حلّ لأوروبا الشرقية والغربية بالخلاص.

فما ذنبنا نحن الفلسطينيين أن ندفع الثمن؟

الآن، أصبحت "إسرائيل" قوية وقادرة، بما تحصل عليه من دعم غير محدود من أميركا وأوروبا، لكن المشروع الصهيوني فشل بعد ثلاثة وسبعين عاما على إقامة الكيان الصهيوني.

 صبر الفلسطينيين وكفاحهم وتضحياتهم يدفع الدول التي شجعت هجرة اليهود إلى بلادنا للخوف من أن ينجم عن هذا الفشل عودتهم إلى مجتمعات طالما أرادت الخلاص منهم، وأهدافهم السياسية والعسكرية والاقتصادية أصبحت قابلة للتحقق بعلاقات مباشرة مع دول الإقليم، لذلك بدأت الأصوات تعلو لإعادة النظر، والدفع لإيجاد حل سلمي للصراع  تبقى فيه إسرائيل قوية ، ويدفع الفلسطينيون ثمن الحل للمسألة اليهودية التي لم يكونوا في أي وقت سببا فيها وإنما ضحية لها.

لإفشال المشروع الصهيوني تماما يجب تحقيق الوحدة الوطنية. أعرف ان الأمور ليست بهذه البساطة، لكن أرى أن لا حل لدينا سوى الاستمرار في الكفاح موحدين.