الله يقويك يا حاج.. هذا الوسام الذهبي يا قادة
سؤال عالماشي - موفق مطر
لم أقصد تشجيعهم، لأنهم يمتلكون قدرة لإمداد الأمة العربية كلها بالشجاعة والجرأة، ولم أتقصد سرقة دورهم القيادي، فهم يصنعون بسواعدهم وعرقهم وجراحهم ودمائهم لحظة فارقة في تاريخ القضية الفلسطينية، فالميدان لا يحتمل تنظيرات جوفاء، لذا آثرت الصمت وعدم التعريف بنفسي، أو حتى باسمي، لأنه بأي حال من الأحوال لن يكون أهم من اسم جريح أو شهيد منهم، أو ذاك الشديد الذي يلاحق جنود الاحتلال المدججين بالسلاح إلى أعلى التلة دون سترة واقية من الرصاص، أو بندقية، وإنما (بشباح) رقيق وبضعة حجارة يحصرها ويعصرها في قبضته حتى تكاد ترتوي من عروقه فتنبت وتكبر فتصير جبلا .. نعم هذا ما رأيت للمرة الألف على أرض وطني فلسطين، فاستعدت شريط ذاكرة غنية من غزة طوله بمدى ثلاثة عشر عاما لا تقل صور المعاناة والآلام والدمار والدماء وارتقاء الأرواح عما نعيشه في هذه اللحظات، فنحن لسنا بعيدين عن غزة وإنما نحن وكل فلسطيني هناك في قلب الوطن.
التواجد مع شباب فلسطين خلال لحظات رسمهم وخطهم كتاب انتماء وطني بلغة وصور فلسطينية حديثة، يجدد آمالنا وتفاؤلنا كمناضلين ويعمق ثقتنا وقناعتنا بمنهجنا الوطني الذي اعتمدناه في إطارنا التنظيمي، فالشباب وأؤكد مرة ثانية على كلمة (الجنسين) إناثا وذكورا قد برهنوا عمليا خلال الأيام الماضية على صواب مبادئ وأدبيات حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في موضوع الصراع الطويل الأمد مع المشروع الصهيوني الاستعماري العنصري، وفي موضوع تجديد دماء الحركة بالقدرات والطاقات الشابة ومنحها كل أسباب النجاح لتولي مهام قيادية ليس على مستوى التنظيم وحسب، بل على مستوى الميادين الوطنية بكل مسمياتها ومساراتها.
نقولها الآن بكل حرص على ردم هوة بين قيادات العمل الوطني والشباب، دون تحديد ألوانهم السياسية، انتبهت إلى محاولة البعض استغلالها للتشكيك، وتحقيق أهداف فئوية لا يستفيد منها إلا الغزاة المحتلون، وأعتقد أن كثيرا من هؤلاء الشباب لا يعرفون حتى وجوه قيادات في الصف الأول، لكنهم –كما استخلصت– معنيون برؤية مناضل صاحب تجربة – فشبابنا كما بدا لنا متقدمون بعلم الفِراسة والذي يعني (مهارة التعرّف على بواطن الأمور من ملاحظة ظواهرها والحكم على شخص الإنسان من ملامح وجهه) ورغم معرفتهم بوجوه وأسماء قيادات وطنية تحضر وتشارك وتصاب في مثل هذه الميادين، إلا أنهم يعتقدون أن قيادات العمل الوطني الفلسطيني دون استثناء يجب أن تكون معهم في الميادين وتحديدا في مثل هذه المناسبات، فهذا يقوي عزيمتهم ويمنحهم قناعة بأن المناضلين الأوائل الذين صنعوا لحظات فارقة في تاريخ النضال الفلسطيني لم يستكينوا، ولم يشيخوا، ولم تأخذهم عن قضايا الوطن أية قضية ذاتية أو شخصية، فشبابنا يتطلعون لرؤية المناضلين القادة من كل درجات الهرم التنظيمي السياسي والثقافي الاجتماعي الفلسطيني ودون استثناء في الميدان من الصبح حتى المساء.. فقد يحظى الواحد منهم بتحية مثل "الله يقويك يا حاج"، و"نحن فخورون بك يا حاج" التي نعتقد أنها اوسمة ذهبية ننالها من جيل ناضلنا من أجل رؤية إيمانه وانتمائه الوطني، والأهم أننا سنكون مطمئنين ونحن نسلمهم الراية ليمضوا، أما إجابتي لهم فكانت: "الله يقويكم يا شباب فأنتم جيل التحرير والنصر، ونحن الفخورون بكم ومنكم نستمد ثقة جديدة بأننا ما زلنا على درب مبادئنا وأهدافنا الوطنية".
العبارة بين المزدوجين في عنوان المقال قالها لي مئات الشباب من الجنسين في الأيام الماضية أثناء مواجهاتهم مع جنود جيش منظومة الاحتلال الإسرائيلي عند الحاجز العسكري المتقدم لموقع قيادة الاحتلال المسمى (بيت ايل) القائم على مدخل مدينة البيرة الشمالي، إثر مسيرات ومظاهرات وفعاليات شعبية انطلقت إسنادا عمليا لجماهير الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية والطبيعية وفي مقدمتها القدس وغزة، معظمهم لا يعرفونني شخصيا، وليس لديهم معلومات سابقة عن موقعي التنظيمي كعضو في المجلس الوطني الفلسطيني، وعضو في المجلس الثوري لحركة فتح، أو حتى طبيعة مهنتي – صحفي – التي اتخذتها وسيلة للنضال، فقد تفاعل الشباب معي بحكم عمري - 67 عاما- كأب أو جد، لم يهتموا لاسمي ومكانتي السياسية، شاركتهم ببوستر صممته خصيصا بعنوان القدس بشرتنا بميلاد الحرية، 18 ايار الانطلاقة الثالثة لحركة التحرر الوطنية الفلسطينية، فكانت بالنسبة لهم رؤية سياسية وطنية جديدة غير مستهلكة، حضرت معهم وفي المقدمة تحت وابل قذائف الغاز الخانق، والرصاص المعدني والمطاطي والحي أيضا، اختنقت بالغاز لكنني بعد ساعة عدت للميدان أقوى، أما حرصهم بقولهم "خليك هون يا حج ما تخاطر" فهذا يعني أنهم يريدوننا معهم ونقطة آخر السطر.