عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 18 أيار 2021

صحفيون تحت القصف

د. تحسين الأسطل*

تواصل طائرات الاحتلال الإسرائيلي ومدفعيته الثقيلة وبوارجه الحربية، في اليوم الثامن للعدوان، استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية من طرق عامة وشبكات المياه والصرف الصحي، ومنازل المواطنين الآمنين، بعد أن بدأت بتدمير اكثر من "40" مؤسسة إعلامية عربية ومحلية ودولية تدميرا كاملا، حيث أصبحت غزة في اليوم الثامن للعدوان وكأن زلزالا قويا فتك بها، إلا أن الحقيقة التي لا تخفى على أحد أن هذه الجريمة ارتكبتها آلة الحرب الإسرائيلية بسلاح أميركي، خاصة طائرات "اف 35" التي استخدمتها دولة الاحتلال في قصف الأبراح السكنية والمؤسسات الإعلامية.

هذا العدوان الذي جاء استكمالا للعدوان على مدينة القدس العاصمة، ومحاولة السيطرة على حي الشيخ جراح، وفرض واقع جديد في المسجد الأقصى المبارك، والذي ينذر بكارثة حقيقية على مستوى الاستقرار في المنطقة برمتها، وتدمير عملية السلام، لما تحمله المدينة من اعتبارات دينية مقدسة لا يمكن لأحد أن يتجاوزها أو ينكر وجودها.

والمتتبع لسير عمليات التدمير والقتل والتي أدت حتى اللحظة إلى استشهاد اكثر من 200 مواطن بينهم أكثر من 60 طفلا و35 سيدة، وقرابة 500 جريح أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ، والتي افتتحتها طائرات الاحتلال بقصف الأبراح السكنية ووسائل الإعلام كان يعرف أن دولة الاحتلال تخطط لجريمة بحق المدنيين الأبرياء، في إطار حرب الاإهاب والضغط على الشعب الفلسطيني، وهي تحاول أن تحد من قدرات الصحفيين ووسائل الإعلام في عمليات التغطية الإعلامية، وكذلك تهديد الصحفيين وإرهابهم وإبعادهم عن أماكن الأحداث والفتك بالمدنيين الأبرياء.

ومنذ بداية العدوان أصيب أكثر من عشرة صحفيين بشظايا القصف، كما فقد كثير من المؤسسات الاعلامية قدرتها على التغطية، بعد تدمير معدات التصوير والبث الخاصة بها في الابراج، حيث رفض الاحتلال الإسرائيلي السماح لمسؤولي المؤسسات الصحفية إعطائهم الوقت الكافي لإخلاء معداتهم الصحفية، كما هجر عدد من الصحفيين منازلهم بعد تعرضها لأضرار كبيرة نتيجة عمليات القصف التي تتعرض لها المحافظات الجنوبية، فأصبح الزملاء الصحفيون بين نار توفير المكان الآمن لعائلاتهم واطفالهم، وبين مهمتهم السامية في فضح جرائم الاحتلال.

فيما يمنع الاحتلال منذ أكثر من 15 عاما إدخال مستلزمات الحماية الشخصية للصحفيين، كما يمنع إدخال أجهزة والتصوير والبث بفعل إغلاق المعابر، فأصبح واضحا أن الاحتلال يريد أن يرتكب جريمة نظيفة وبعيدا عن وسائل الاعلام، خاصة بعد قبول محكمة الجنايات الدولية النظر في الجرائم التي ترتكب بحق الإنسانية في الأراضي الفلسطينية.

وفي ظل تصاعد حجم الجرائم الإسرائيلية بحق المواطنين الأبرياء، وبحق الصحفيين، تكشف كثير من الحقائق والوجه الحقيقي لبعض الدول والمؤسسات الدولية التي كانت تتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وحقوق الصحفيين، إلا أنها وقفت عاجزة أمام الجريمة التي يرتكبها الاحتلال، وأصبح واضحا أن كثيرا من القرارات التي أصدرها مجلس الأمن، مثل القرار"2222" الخاص بحماية الصحفيين، ما هو إلا  قرار وضعته الإدارة الأميركية وقوى الاستعمار، لتصفية حسابات لها في المنطقة مع بعض الدول ومن أجل التدخل في شؤونها، وأن من آخر أهدافها هو حماية الصحفيين والمؤسسات الصحفية، لدرجة أنها ظلت صامتة أمام استهداف وتدمير مقر وكالة الصحافة الأميركية في غزة، وبالتأكيد سيكون تصرفها بطريقة أخرى لو حدث هذه العدوان في أي مكان في العالم.

دولة الاحتلال والعصابة التي تحكمها ترسل اليوم من خلال عدوانها الذي يستهدف المدنيين ووسائل الإعلام، رسائل واضحة إلى كل الدول بما فيها الإدارة الأميركية، وإلى مجلس الأمن والأمم المتحدة مفادها، إننا فوق القانون الدولي الإنساني، وفوق مبادئ الأمم المتحدة، وفوق كل القوى التي يمكن أن تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، وأنها ماضية في جريمتها المتواصلة منذ 73 عاما، وأنها ماضية في فرض أجندتها على المنطقة، ولن تأخذ أي اعتبار لاستقرار المنطقة، أو للحرج الكبير الذي يسببه هذه العدوان لبعض الانظمة العربية التي طبعت علاقتها مؤخرا مع دولة الاحتلال، لأن إيمان هذه العصابة أن كل هذه الأنظمة والمؤسسات والدول وجدت من أجل حمايتها، وضمان تفوقها، وهي حتى تاريخه لم تر ردا حقيقيا واحدا يمكن أن تذعن أمامه وتوقف العدوان على قطاع غزة والعاصمة القدس.

والمتتبع لسير العدوان وتصريحات قادة الاحتلال، والواقع الميداني على الأرض يتأكد أن الاحتلال ما زال يخطط لمزيد من الاعتداءات، وهو يريد أن يكسب مزيدا من الوقت لتنفيذ هذه الجرائم، ما يجعل ضرورة التحرك الفوري لحماية المدنيين والصحفيين، والتي أصبحت أهدافا واضحة وسهلة أمام الاحتلال الإسرائيلي، في ظل غياب أهداف أخرى وعد الاحتلال بالفتك بها، إلا أنه ما زال عاجزا حتى اللحظة عن الوصول إلى هذه الأهداف، ما ينذر بتصعيد العدوان ومزيد من الفتك الذي تتعرض له المؤسسات والمنشآت المدنية والمواطنين والأطفال الأبرياء.

وختاما بات مطلوبا من المجتمع الدولي والمنظمات الدولية، خاصة مجلس الأمن، والأمم المتحدة ضرورة التحرك لوقف هذه المجزرة المتواصلة، كما أن النقابات والاتحادات المرتبطة بحرية الصحافة والعمل الصحفي مطالبة بضرورة التحرك العاجل لوقف، وممارسة ضغط حقيقي لوقف ما تتعرض له المؤسسات الصحفية والصحفيون في دولة فلسطين سواء في القدس العاصمة أو في المحافظات الجنوبية التي باتت عرضة لعمليات تدمير لكل وسائل الإعلام، في ظل وجود كافة المؤسسات الاعلامية في ابراج سكنية ومدنية، ففي غزة لم يعد هناك مكان في مأمن من القصف التدمير الاسرائيلي.

* نائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين