فرسان القدس ..صهوة الحرية
هلا سلامة
عند أعتاب القدس تنهزم أسلحة الإرهاب والعنصرية، وتتلى قصة أخرى لا تشبه بأحداثها قصص عالمنا المعتل والمذعن ...هناك يكمن سر الوجود على هذه الأرض وحقيقة الخير والشر ..وتبقى هي القدس أم المدن وأم المقدسات وأم الأديان مهما عنها تخلينا ..فهلا التفتنا إلى فرسانها وحدقنا بتفاصيل تفاصيلهم وهم على صهوة الحرية يتلون على عدوهم والعالم درس الكرامة والإباء.
هناك في القدس حساب أهل الأرض الذي بات يسقط حسابات المحتل على كامل أرض فلسطين .. فشلت اعتداءاته الهمجية بإفناء المدينة وغلق بوابات عتباتها المقدسة وانهزم سلاحه أمام إرادة شعب مدرك تماما لحقوقه في وطنه.
ولو عاد الأمر إلى هذا المحتل لكانت فلسطين اليوم بأكملها مستوطنة إسرائيلية والفلسطينيون كلهم لاجئون في منافي الأرض ولم يكن ليتغير شيء بالنسبة إلى هذا العالم الذي اعتاد الصمت والتفرج على فصول المعركة بين الحق والباطل على هذه الأرض المقدسة.
هذا المحتل الذي يجري اليوم واحدة من أكبر مناوراته العسكرية تحاكي حربا متعددة الجبهات استطاع المقدسيون أن يربكوا منظومته الأمنية في ساعات قصيرة وأن ينقلوا كل اهتمامه إلى ساحات مدينتهم المقدسة التي سيجوها بغضبهم وأضاءوها بشموخهم.
هؤلاء المقدسيون لم يخرجوا من بيوتهم بأسلحة العالم الفتاكة ليذودوا عن مدينتهم ..هو "حقهم" الذي أشهروه بوجه عدوهم بأن القدس لنا... ولن يغلق باب مدينتنا...
لم يستطع العدو إغلاق بوابات الأقصى لأكثر من ساعات وقد نجح المقدسيون في إلزامه على فتحها لتأدية صلواتهم بعد ليلة من المواجهات.
القيادات اليهودية ناشدت بعضها للتحلي بالمسؤولية متخوفة من تفجر الوضع وقد استدعت قوتها العسكرية على كامل الأراضي المحتلة وما لبث النائب عن حزب "الصهيونية الدينية" اليميني المتطرف إيتمار بن غفير الذي فتح مكتبا له في الشيخ جراح إلى أن غادره بعد تصدي الأهالي له والضغط عليه من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خشية تصعيد الأوضاع وحصول تدهور خطير في القدس وأماكن أخرى في البلاد.
انقسمت القيادات الإسرائيلية حول وضع القيود على فعاليات مسيرة الأعلام في يوم القدس أو إلغائها تماما لأنها قد تؤدي إلى تصعيد العنف ونجح المقدسيون بإرادتهم وثباتهم أن يغيروا وجهتها (المسيرة) ويمنعوا دخول المستوطنين من باب العامود الذي يشكل أحد الأبواب التاريخية الرئيسية المفضي إلى المسجد الأقصى.
وكان عاموس جلعاد، الرئيس السابق للمخابرات العسكرية والمسؤول السابق بوزارة الجيش قد قال لإذاعة جيشه "يجب إلغاء المسيرة هذا العام، أود إلغاء أي شيء يسبب الاحتكاك. القدس حاليا برميل بارود يمكن أن ينفجر".
لم يكن ليحصل كل هذا التقهقر في المواقف الإسرائيلية إلا بفضل المرابطين في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة الذين وحدهم ومنذ 73 عاما يدافعون بصدورهم العارية عن حقوق مسلمي ومسيحيي الأرض كافة، وهم ما زالوا يتحدون الاحتلال ليواصلوا عباداتهم في ساحات مقدساتهم وإدامة علاقاتهم الروحية مع أيقوناتها برغم إجراءات الاحتلال التعسفية الرامية لمنعهم من الوصول إليها والحج فيها.
هم وحدهم ...أما نحن فقد فاتنا الكثير من واجبنا تجاه فلسطين ومقدساتها وشعبها ...غلبنا التخلي لقرن من الزمن وارتضينا بالشعارات وبيانات الاستنكار والخطابات التي كادت تحررها في اليوم آلاف المرات ...فلسطين البوصلة التي يوم أضعناها فقدنا هويتنا وهلكت أوطاننا ... لعل شعب فلسطين .. شعب أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين .. هو الأكثر تحررا بيننا.