الصهيو- داعشية تغزو إسرائيل
د. رمزي عودة
مئات العائلات الفلسطينية مهددة بالتهجير في حي الشيخ جراح، في الوقت الذي يستمر فيه الشباب المقدسي بهبته بقوة في ليالي رمضان، لتمتزج أصوات القنابل والرصاص مع أصوات المهللين في المساجد والكنائس، وتنشد بكبرياء نشيد الحرية. وبدا كأن حالةً من العصيان المدني ضد الاحتلال تنتشر في كل أرجاء المدينة وما حولها لتؤكد على عروبة القدس وهويتها الفلسطينية.
في ظل هذا المشهد، تستمر حكومة الاحتلال الإسرائيلية بالاعتداء على المقدسيين، وتهويد مدينتهم المقدسة، تماشياً مع أكذوبة نتنياهو وشعاره المسموم "القدس الموحدة عاصمة الدولة العبرية". وتتضمن سياسة الاحتلال من أجل تأكيد هذا الشعار؛ سياسات التطهير العرقي في منطقة الشيخ جراح، والاقتحامات المستمرة للمسجد الاقصى، وكأن حكومة الاحتلال في سياستها هذه ترسل رسالة للفلسطينيين بأنهم برفضهم لصفقة القرن فإن عليهم دفع ثمن التهجير من القدس. وتحت حجة الأمن ومحاربة الارهاب، يدعو "لبيد" و"بن غفير" الشرطة الاسرائيلية إلى ضبط الأمن وإنهاء المظاهرات بأسرع وقت ممكن، ويصر نتنياهو على سياسته الرامية الى تهويد المدينة واقتلاع المسجد الأقصى لإقامة هيكل مزعوم هو أقرب إلى الأساطير التي طويت منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، ولم يعد أحد يصدقها سوى اليهود، وأحياناً ليس كلهم.
في الواقع، هنالك عدة شواهد بدأت في التبلور في الفكر والممارسة الصهيونية منذ نحو عقد من الزمان، وتُبرِز هذه الشواهد انتقال دولة الاحتلال من مرحلة الصهيونية إلى مرحلة جديدة أكثر تطرفاً وعنصرية. في هذا الإطار، يستغرب بيتر بينارت الكاتب الصهيوني ذائع الصيت من المنحدر الذي وصلت إليه السياسة اليمينية الإسرائيلية في عهد نتنياهو، قائلاً إنها سياسة قتلت حل الدولتين وأسقطت الحقوق الأساسية الإنسانية للفلسطينيين، وتجري قدماً في مخطط الضم، وفي ظل هذا كله ترفض أن تعطي الفلسطينيين حق المساواة مع اليهود. وفي سياق الشواهد على عملية الانتقال التي ذكرتها سابقاً، هنالك العديد من الأمثلة مثل قانون القومية اليهودي الذي كرس مفهوم العنصرية، إضافة الى ذلك، انحسار المفاهيم الليبرالية في دولة الاحتلال، الذي ظهر في تبني مفهوم يهودية الدولة وتراجع قيم الديمقراطية والنزاهة في الممارسة السياسية في إسرائيل، وخير شاهدٍ على ذلك قضايا الفساد الكثيرة التي تلاحق رئيس الوزراء نتنياهو منذ سنوات دون قدرةٍ لمؤسسات القانون على إحتوائها. وأخيراً، ظهر جلياً تحول المجتمع الاسرائيلي الى اليمين وتراجع قوى اليسار في الخريطة السياسية، بل إن أحزاباً عنصرية تدعو الى التطرف والعنصرية والكراهية أصبحت ممثلة لأول مرة في انتخابات الكنيست الأخيرة مثل قائمة الصهيونية الدينية.
ومع بروز هذه المؤشرات في الهوية الصهيونية الفاعلة في دولة الاحتلال، بدت هذه الدولة تتحول الى شكلٍ جديد من الصهيونية وهو ما أسميه بالصهيو-داعشية، هذا الشكل لا يختلف كثيراً عن الداعشية التي ظهرت في الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، ربما يكون الاختلاف في مظهر القيادة وليس في جوهر منطقها. فالفريقان يدّعيان امتلاك الحقيقة المطلقة، ويقومان بقتل الآخر ونفيه، ويدّعيان الاصطفاء والتميز، ويختاران العنف كوسيلة للسياسة، ويقتلان المدنيين ويقومان بالتطهير العرقي، ويعتمدان على الدين في تبرير سياستهمها. هذا الفكر الداعشي بدأ يبرز بشكل واضح في الصهيونية الحديثة، ونجد أركانه قائمة في استمرار سياسة التنكيل وقتل المدنيين وسياسات التهويد والتطهير العرقي التي تقوم بها قوات الأمن الاسرائيلية وقطعان المستوطنين بحجج دينية وعنصرية مختلفة. وبالرغم من احتجاج العالم كله على هذه السياسات الداعشية الصهيونية تستمر إسرائيل في سياساتها هذه لسبب بسيط؛ هو أن هذه السياسات هي مصدر شرعيتها الأيديولوجية والفكرية، وتخليها عنها يعني انهيار الصهيونية الجديدة. وفي الوقت الذي أدت سياسات داعش في العراق وسوريا الى انتشار الفوضى والقتل والتهجير، وهي نفس النتيجة التي ستحدث حتماً في المنطقة نتيجة سياسات الصهيونية الجديدة، فإن العالم كله دفع ثمن سياسات داعش هذه، وسيدفع ثمناً أكثر تكلفة نتيجة لسياسات الصهيو- داعشية. ولن يكون بالإمكان السيطرة أو احتواء هذه السياسات المارقة إلا بحرب تشترك فيها العديد من الدول الإقليمية والعالمية. وبالمحصلة، فإن إسرائيل التي لم تتعلم درس داعش جيداً، ستدرك حتماً أن الصهيونية الجديدة التي تقوم عليها تحمل بذور فنائها، وأن عليها أن تتوقف عن التصرف بعنجهية في المنطقة وكأن الرب يهودي!