الصورة الشاملة للوضع
شرفة الحياة - فتحي البس
العالم في حالة فوضى تسيطر عليه صراعات معلنة ودفينة تتمحور حول المصالح والنفوذ ومصادر الطاقة والمياه بدون ضوابط واضحة ولا قدرة لأي قوة عالمية أو إقليمية منفردة على ضبط هذه الفوضى، وفي نفس الوقت تتغير خارطة التحالفات بين فينة وأخرى في محاولة من كل دولة على الأقل عدم الخروج خالية الوفاض من دائرة الصراع وحماية مصالحها وأمنها بالحدود الدنيا إن حكمت موازين القوى بأنها لن تقدر على السيطرة والهيمنة.
خارطة القوى وموازينها في العالم أصبحت شديدة التعقيد والتداخل، يتركز النقاش حول قدرات الولايات المتحدة وروسيا والصين وصراعاتها التي تملأ البحار والبر والأجواء بوسائلها القتالية، وتحتار دول أوروبا في اتخاذ مواقف بين هذه القوى وتميل إلى عدم إغضاب أي منها، فعينها على مشاكلها المعقدة ومصالحها المتداخلة.
تبرز في الإقليم دول تحاول أن تكون صاحبة اليد العليا، وللأسف ليس في مقدمتها دول عربية، فتركيا وإيران ودولة الاحتلال الصهيوني تتبارز في كسب النقاط، بينما في المواجهة الأساسية تقع مصر، دولة المركز والقلب بتحالف أساسي مع السعودية، وتحاول دول خليجية المنافسة على الدور والنفوذ فتستنجد بتحالفات غير مستقرة وعلى رأسها مد الجسور مع دولة الاحتلال، وفي قلب الصراع الأردن وفلسطين، يوحدهما المصير وتكالب المصالح ضدهما، تبذلان جهودا مشتركة للتصدي لمخاطر نجاح اليمين الصهيوني الفاشي العنصري في منع تدخل دولي حاسم، من الدول العظمى وأوروبا لفرض سياسة بديلة فيها بعض العدل والإنصاف وكبح جماع الغلو والتطرف الذي يسود التجمع الصهيوني.
ومن نافلة القول التوضيح أن دول الإقليم ليست واحة للديمقراطية والحكم الرشيد، لكن فلسطين تحظى بالتركيز عليها وبذل جهود لا تتوقف لشيطنة قيادتها وفصائلها وشعبها، لبث اليأس وفقدان الأمل، وتتدخل كل هذه الدول في مسار اختيار الفلسطينيين لقياداتهم في الوطن والشتات، وآخر مظاهر هذا التدخل سرعة بعض الدول في تقديم اقتراحاتها المشبوهة في خضم النقاش حول الانتخابات الفلسطينية، وكأن حلول مشاكل المنطقة تكون في فرض قيادات بديلة تتوافق هي عليها، وليس دعم الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال.
في فلسطين، خلاف طبيعي حول الكثير من القضايا، توافقت القيادات الوطنية على الذهاب إلى انتخابات شاملة حيث أمكن ذلك، لتوحيد الرؤى وإنهاء الانقسام الذي عمَّقته دول الإقليم خلال السنوات السابقة، وكان الاتفاق أن تجري الانتخابات في فلسطين في غزة والضفة والقدس، ترشيحا ودعاية وانتخابا، لمنع بقاء أي أثر لصفقة القرن وإعلان دولة الاحتلال عن ضم القدس الشرقية.
لم تتوقف دول الإقليم وبعض القوى والمرشحين الفلسطينيين أمام رسائل متعددة وردت في بيان تأجيل الانتخابات الذي تلاه الرئيس محمود عباس بعد اجتماع طويل للقيادة وأهمها:
- رسالة لدولة الاحتلال أن القدس جوهر الصراع وستظل عاصمة فلسطين الأبدية
- رسالة للأوروبيين: اتفقنا معكم واستجبنا لرغبتكم في عقد الانتخابات على أن تضمنوا لنا بالضغط على المحتلين تنفيذها في القدس، أغدقتم علينا وعودا، لم تفلحوا، بالتالي إن أجرينا الانتخابات بدون القدس، نكون قد اعترفنا بصفقة القرن وآثارها وضمِّها لدولة الاحتلال.
- رسالة للولايات المتحدة أنه حان الوقت للتخلي عن سياستكم الداعمة بالمطلق لدولة الاحتلال
- رسالة لدول الإقليم أننا لا نسير على هواكم وترتيباتكم ومصالحكم واتفاقاتكم.
- رسالة للفصائل الفلسطينية جميعها للبحث عن خطوات مؤقتة وبديلة لترسيخ الوحدة الوطنية بتشكيل حكومة وطنية وإعادة تشكيل المجلس الوطني وما يتبعها من تشكيل قيادة جامعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فرغم كل المواقف المتباينة اقليميا ودوليا إلا أن هناك حاجة ملحة لإجراء الكثير من الإصلاحات الداخلية لتعزيز وتمكين القدرة الفلسطينية على المواجهة السياسية الحالية والقادمة.
التراشق حول أسباب التأجيل ليس بريئاً، بعض المواقف منها نابع من حرص وطني على الوحدة، وبعضها مرتبط بمصالح آنية، والبعض الآخر يتساوق من خطط وبرامج إقليمية.
معركة القدس وبالذات حي الشيخ جراح، طغت على هذا التراشق، ودفعته للوراء، ودفعت بمقاومة الاحتلال إلى المقدمة، ورجّحت الدعوة الصادقة لإعادة تشكيل المجلس الوطني والقيادة الفلسطينية، ضمن المصالح الوطنية دون خضوع لفوضى العالم وصراع دول الإقليم، فليس لدى الفلسطينيين سوى إيمانهم ووحدتهم وإرادتهم التي تتجلى بوضوح في القدس وفي التصدي لجيش الاحتلال ومستوطنيه، التدقيق في الصورة الشاملة للوضع يقود للموقف الصحيح.