عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 02 أيار 2021

مرحلة جديدة بآليات عمل جديدة

باسم برهوم

من دون شك أن الحركة الوطنية، والنضال الوطني الفلسطيني أصبحا بحاجة لإعادة تقييم شاملة، فاللجوء إلى تأجيل الانتخابات لم يكن خيارا بقدر ما هو تعبير عن مأزق. لا أحد يقلل من الطبيعة  المعقدة جدا للقضية الفلسطينية، كما هو ملموس تماما صعوبة الواقعين الموضوعي والذاتي الذي يعيش في ظلهما الشعب الفلسطيني، مع خاصية تميز هذه المرحلة بالذات، لأننا لا نشهد وحسب المحاولات الحثيثة  لتصفية القضية الفلسطينية، وإنما هناك قرار إسرائيلي ومعه تواطؤ دولي، ومع بعض العرب بتجريد الشعب الفلسطيني من كل مكتسباته حتى تلك المنصوص عليها في اتفاقيات أوسلو.

لقد كشفت لنا التجربة الصعبة الأخيرة، أن الانتخابات في ظل الاحتلال لا يمكن حصرها بالشأن الداخلي، أو اعتبارها مجرد عملية انتقال سلمي عادية  للسلطة، وحقا دستوريا يمارسه الشعب وكأنه يعيش في ظروف طبيعية. لقد وضعتنا التجربة أمام خيارات صعبة من بينها أن تفرض دولة الاحتلال  علينا، من خلال العملية الانتخابية. تنازلا عن واحد من أهم حقوقنا الوطنية، والتي يدعمها ويقر بها القانون الدولي. وداخليا فقد ثبت بالتجربة. أنه لا يمكن أن تكون هناك عملية ديمقراطية طبيعية قبل إنهاء الانقسام  بكل ما فيه من مضامين وما تركه من تداعيات، فالشك وعدم الثقة في النوايا لمرحلة ما بعد الانتخابات تبقى هي المتحكمة بعقل الأطراف كافة.

ولكن ومع أهمية ما ذكر، فإن المشكلة أكثر تعقيدا من كونها مأزقا انتخابيا، هناك تغييب أو تجاهل لأي تشخيص موضوعي للواقع الفلسطيني، الأمر الذي سمح بتشويه الوعي الوطني، وبالتالي عدم فهم المغزى الوطني لتأجيل الانتخابات، وبدل أن يفتح ما جرى أعيننا مجددا على الواقع تهنا أكثر في تبادل الاتهامات والتشكيك ببعضنا البعض. من هنا تأتي أهمية إجراء التقييم بهدف العودة  للواقع ومنه ننطلق من جديد.

هناك حاجة على ما يبدو لأن نتفق على بعض المفاهيم مثل هل نحن دولة تحت الاحتلال، المهمة الرئيسية لها إنجاز الاستقلال الوطني؟، أم نحن لا نزال في مرحلة  التحرر الوطني أمامنا مهمة تحرير الأرض وتحقيق أهداف العودة وتقرير المصير. هناك حالة باتت ملتبسة في وعي الإنسان الفلسطيني، ناجمة أساسا من أن مرحلة أوسلو الانتقالية قد طالت كثيرا، فهي بدل أن تكون لخمس سنوات وتنتهي،  حولتها إسرائيل إلى حالة ثابتة في حياتنا، وهي تحاول أن تجعل منها الحل النهائي، لذلك قد لا يلام  المواطن عندما يفهم موضوع تأجيل الانتخابات وكأنه محصور في مسألة الربح والخسارة لهذا التنظيم  أو ذاك، ولكن هذا التعميم يجب ألا يسري على القوى السياسية، خاصة فصائل  منظمة التحرير، التي  هي بالضروره تعلم أن المسألة ليست كذلك.

ونتيجة لحجم التشويه الذي طال الوعي، وكم الماكينات الإعلامية المأجورة المتخصصة فقط بتشويه  وعي الإنسان الفلسطيني، لأسباب يعرفها الجميع، فقد نسي المواطن، ومع الأسف بعض القادة في الفصائل أيضا، أن أوسلو وبغض النظر عن موقفنا  منه، هو مجرد  حلقة ومحطة من محطات الصراع، وأن هناك حاجة لمواصلة النضال بالهمة والعزيمة نفسها لاستكمال مهمات التحرر الوطني وعدم التفريط بحقوقنا الأساسية. والتي لم يفرط بها الذين وقعوا على الاتفاقيات، وهي اللاجئون، القدس، حدود  الدولة، و المياه. من هنا جاء جرس الإنذار وتوقفت ساعة الانتخابات عندما أصبح  الاختيار، إما تجاهل  القدس وإجراء الاننخابات، أو التمسك بالقدس وتأجيل الاننخابات.

نحن بحاجة ماسة لتعزيز شرعية القيادة الوطنية وقبل ذلك بحاجة لإنهاء الانقسام بكل ما تعنيه  الكلمة  من معنى. وقبل الذهاب لأي خيارات أخرى، إنهاء الانقسام يعني استعادة وحدة الوطن الجغرافية. وطن  واحد وسلطة واحدة ومؤسسة رسمية واحدة. في ظل مثل هذا الواقع الطبيعي يمكن أن يفرز عملية ديمقراطية طبيعية غير مشوهة. هدفها تجديد الشرعية ومن خلالها يمكن أن نصل إلى التغير السليم وليس التغير المشوه. الذي من شأنه تعميق الأزمة والانقسام، وربما  الفوضى.

ونتيجة لواقع القضية الفلسطينية، فإن هناك أهمية خاصة جدا، وهي من يمسك بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل، المعبر عن إرادة  الشعب الفلسطيني الحرة . لقد تم انتزاع هذا القرار من الأطراف  الإقليمية بالتضحيات الجسيمة، لذلك من الضروري أن يبقى هذا القرار بين يدي  قيادة وطنية مؤتمنة،  من هنا فإن أي تغيير يجب أن يأخذ  ذلك بعين الاعتبار.

لا يمكن لإنسان وحده أن يخرج باستنتاجات أو آليات عمل وطني تلائم الواقع. إنها مهمة وطنية شاملة،  ولكن لا يمكن أن نبقى بعد تجربة الانتخابات الأخيرة، كما كنا نعمل قبلها، بالإضافة إلى أن علاقاتنا  بالمجتمع الدولي يجب أن تكون مبنية على أسس واضحة فيما يتعلق بالربط بين أي انتخابات وبين حقوقنا وثوابتنا الوطنية. وإن أي انتخابات لن تتم دون القدس ودون مشاركة كل الشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، خصوصا أن مطالباتنا تتسجم تماما مع القانون الدولي، وحتى مع الاتفاقيات الموقعة.

لنحول هذه  التجربة الصعبة إلى فرصة لإحداث انطلاقة جديدة تربط  بين المتطلبات الوطنية والعملية الديمقراطية، وفي الحالة الفلسطينية لا فصل بينهما أبدا.