تحية لعمال فلسطين
شرفة الحياة - فتحي البس
من شيكاغو الأميركية، أطلق العمال إضرابهم الأول في مطلع أيار عام 1886 مطالبين بتحسين ظروف حياتهم القاسية بتخفيض ساعات العمل وتحسين الأجور ومنحهم إمكانية الراحة التي سلبتهم إياها البرجوازية الناشئة. الثورة الصناعية غيرت وسائل وأساليب الإنتاج، وراكم أصحاب المصانع ثروات طائلة من فائض القيمة كما شرح لاحقا ماركس وإنجلز، وسرعان ما تبنت الحركات الاشتراكية ولاحقا الشيوعيون الاحتفال بهذا اليوم، لكن الدول الرأسمالية سرعان ما أدركت أهمية تحسين ظروف الحياة والأجور ضمن ما عرف بأن الرسمالية تجدد ذاتها، باختصار، أصبح الأول من أيار عيدا وعطلة رسمية في معظم دول العالم، تحت مسميات مختلفة، فمثلا في روسيا الاتحادية هذه الأيام يسمى عيد العمل والربيع بعد أن كان زمن الاتحاد السوفييتي "اليوم العالمي للتضامن مع الطبقة العاملة".
أطلق ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي صرخة " يا عمال العالم اتحدوا"، وفي ظنهما ان لذلك الأولوية للقضاء على الدولة الرأسمالية ونشوء عالم فيه عدالة ومساواة. التاريخ برهن أن هناك عوامل أخرى تفرق عمال العالم مثل الانتماءات القومية والوطنية والدينية، وأكبر مثال على ذلك أن العمال بسواعدهم أنتجوا أدوات قتل العمال في دول أخرى ومن أتباع قوميات وديانات ومذاهب مختلفة، وأسطع مثال على ذلك دورهم في الإنتاج لدعم أوطانهم في الحروب الكونية والإقليمية، ولو اقتصر البيان على طلب وحدة عمال دولة او وطن ما، لربما كان منطقيا وأكثر واقعية.. قضايا الصراع في العالم شديدة التعقيد ومتنوعة الأسباب.
وسائل الإنتاج وأساليبه في العالم المعاصر مختلفة تماما، وتجعل من الصعب وضع خطوط فاصلة للتمييز بين العمال وغيرهم، ويحتاج ذلك الى تفصيل وحوار فكري وفلسفي، ولكن ما يظل حقيقة أن الرأسمالية المتوحشة وأنظمتها تفرض هيمنتها وسلطتها وتبتز العالم وتزيد سكانه فقرا، حيث يعيش مئات ملايين البشر تحت خط الفقر المدقع بدخل لا يتجاوز الدولار ونصف للفرد يوميا، وفي ظل الحروب المدمرة ربما لا تجد عائلة كاملة مثل هذا الدخل وتعيش ملايين البشر على حافة المجاعة.
بلادنا بخير، لم نصل في أي حقبة من الزمن إلى هذا الحد، رغم توحش الاحتلال وإجراءاته، لأن عوامل الدعم والاسناد والتكافل الموجودة بين أبناء شعبنا والنابعة من عقيدتنا وعاداتنا الاجتماعية ومشاعرنا الوطنية أقوى بكثير، ولعل ما شهدته فلسطين في زمن القهر والاستعمار والثورات المتتابعة وما جرى في انتفاضة 1987 والانتفاضات اللاحقة وفي كل أوقات اقهر والضيم برهان على ذلك.
هل يعني ذلك أن العمال الفلسطينيين لا يعانون؟؟؟؟ بالطبع انهم يعانون كثيرا جدا، ليس بسبب استغلال أصحاب العمل الفلسطينيين لهم، وإن كان موجودا، وإنما للظروف والإجراءات التي يفرضها الاحتلال على وطننا، حيث يضطر عمالنا للعمل في مؤسسات المحتل المختلفة في ظروف قاسية جدا وتمييز ضدهم في كل نواحي حياتهم، فهل يمكن أن ننسى أن نهار يوم عشرات آلاف العمال يبدأ قبل الفجر وينتهي في ساعات متأخرة من الليل، بعد يوم شاق يقضون معظمه على الحواجز الاحتلالية، كم من عامل فلسطيني سقط وسميناه شهيد لقمة العيش؟؟ .
تتداخل في حياة عمالنا عوامل صراع كثيرة مضنية للنفس، فبين التزامهم بقضيتهم الوطنية وجهودهم لتأمين لقمة العيش ولوازم الحياة لعائلاتهم، وبين ظروف عملهم مشاعر قهر لا توصف، حتى وإن كان بعضهم قد تمكن من تحسين أوضاع عائلاتهم المعيشية.
كيف نخفف من معاناة العمال الفلسطينيين؟ سؤال يبحث عن جواب لدى المسؤولين في السلطة الفلسطينية وأصحاب العمل في مناطقنا لا بد من خلق فرص عمل لهم وتمكينهم من العمل في مدنهم وقراهم، وعلى الأقل الدفاع عن حقوقهم ضمن كل ما تسمح به القوانين والاتفاقات الدولية.
التفتت منظمة التحرير الفلسطينية منذ سنوات تأسيسها الأولى للعمال الفلسطينيين، فأنشأت الاتحاد العام لعمال فلسطين لتنظيمهم والدفاع عن حقوقهم وتمثيلهم في المحافل العربية والدولية، وله فروع خارج فلسطين في العديد من الدول وفي كافة محافظات فلسطين، والمطلوب تفعيله للنهوض بمسؤولياته لتأمين حياة كريمة للعمال الفلسطينيين الذين لهم وعلى مر السنين دور لا يضاهى في الدفاع عن الثورة الفلسطينية ومنجزاتها، وعن حقوق عموم الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.
تحية لعمال فلسطين في عيدهم وحيثما تواجدوا في الوطن والشتات، وقدر أبناء الشعب الفلسطيني الصبر على ما ابتلي فيه من احتلال عنصري فاشي، والاستمرار في النضال من اجل مستقبل أجمل.