إسرائيل تتغول في ديمقراطيتنا!
د. رمزي عودة
تنتمي الديمقراطية الفلسطينية الناشئة إلى حقل الديمقراطيات الاتية من الخارج في أدب النظرية في السياسة المقارنة، ويعود السبب في ذلك إلى كون اتفاقيات أوسلو1 وأوسلو2 للحكم الذاتي الانتقالي بين الفلسطينيين والإسرائيليين نصت بوضوح على العملية الانتخابية في الأراضي المحتلة، ورتبت جانباً من آلياتها. فقد نصت هذه الاتفاقيات على قيام إسرائيل بتسهيل إجراء الانتخابات العامة في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية بما فيها مدينة القدس. وإذا ما عدنا إلى نظرية النظم السياسية المقارنة، تخبرنا نتائج الدراسات السابقة بأن غالبية الديمقراطيات الاتية من الخارج قد نجحت واستقرت، كما هو في الحالة اليابانية والألمانية والكورية الجنوبية وغيرها من البلدان التي كانت محتلة، إلا أن الحالة الفلسطينية تبدو مختلفة تماماً، بل ومعاكسة. فحينما اتفق الفلسطينيون على تجاوز الانقسام، والابتعاد عن السلبيات التي رافقت انتخابات عام 2006، أصرت حكومة الاحتلال الإسرائيلية على إنهاء التجربة الديمقراطية الفلسطينية حتى قبل أن تبدأ. وبدا للجميع أن هذه الحكومة اليمينية تمارس سياسات ممنهجة تهدف إلى وأد الديمقراطية الفلسطينية وإفشال تجربتها.
في الإطار السابق، ترفض حكومة الاحتلال السماح للفلسطينيين بإجراء الانتخابات في القدس، وتتجاوز بذلك الرفض كل الأعراف الدولية والاتفاقات الموقعة مع الجانب الفلسطيني، كما تتجاوز أيضاً كافة الضغوط الدولية عليها في هذا المجال. ويدرك الفلسطينيون تماماً أن هذا الرفض الإسرائيلي ما هو إلا اختبار لإرادة القيادة الفلسطينية في التمسك بالقدس في إطار مفاوضات الوضع النهائي، حيث إن التنازل عن هذا الحق يعني فيما يعنيه التساوق مع صفقة القرن، والتي قالت أن القدس الموحدة عاصمة للدولة العبرية، وهو الأمر الذي لا يستطيع أي فلسطيني قبوله. واستكمالاً للمخطط الإسرائيلي، تعتقل حكومة الاحتلال العديد من مرشحي مختلف القوائم من المقدسيين، كما تعتقل غيرهم بحجة أنهم ينتمون إلى منظمات إرهابية، أو تحت حجج واهية "أمنية" أخرى، بموجبها تعتقلهم إدراياً ولأمدٍ غير معروف. وتقوم حكومة الاحتلال أيضاً بتهديد الفلسطينيين لا سيما المقدسيين منهم لثنيهم عن المشاركة في الانتخابات، وفرض عقوبات صارمةٍ عليهم إذا لم يلتزموا بهذه الأوامر العسكرية، والتي قد تصل "عقوبتها" إلى السجن أو النفي. ولم تكتف هذه الحكومة اليمينية بتهديد المواطنين، وإنما أرسلت مدير ما يسمى الأمن الداخلي لديها "الشاباك" إلى الرئيس محمود عباس لتهديده بعدم إجراء الانتخابات وإخباره بأن اسرائيل لن تسمح أبداً بإجراء الانتخابات في القدس. وفي المحصلة، وكما تظاهر المقدسيون الليالي الماضية ضد جنود الاحتلال متمسكين بأقصاهم وبحقهم في المشاركة في الانتخابات، رفض الرئيس أبو مازن الاملاءات الإسرائيلية.
اليوم علينا كفلسطينيين أن نتوحد شعباً وأحزاباً وقيادةً في رفض كل سياسات الاحتلال الإسرائيلي لاسيما تلك المتعلقة بعدم إجراء الانتخابات في المدينة المقدسة، فالتنازل عن حقنا في إجراء الانتخابات في القدس يعني التنازل عن القدس سياسياً. ولن يسمح أحدٌ بأن يسجل التاريخ على شعبنا ولا على أحزابنا ولا على الرئيس أبو مازن نفسه التنازل عن عاصمتنا الأبدية. من جانب آخر، علينا كفلسطينيين أن نحمل إسرائيل مسؤولية محاولتها المستمرة لإفشال التجربة الديقمراطية أمام العالم بأسره لاسيما العالم الحر الديمقراطي، فإسرائيل التي تتباهي دائماً بديمقراطيتها كونها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط كما تدعي، ما هي إلا دولة احتلال عنصرية تكرس السلطوية، وتسعى لتخريب التجارب الديمقراطية في المنطقة. ليس هذا فحسب، وإنما تسعى إسرائيل إلى هيكلة ديمقراطية فلسطينية مشوهة تراعي مصالح دولة الاحتلال وتبتعد عن القضايا الوطنية. بكلمات أخرى، تسعى إسرائيل إلى خلق "ديمقراطية الخدمات" للفلسطينيين، بالرغم من أن الديمقراطية تعتبر مفهوماً شاملاً لكل القضايا الوطنية والاستراتيجية.
من المؤكد أن إسرائيل لن تفلح في جهودها الرامية بفرض انتخاباتٍ دون القدس، وسيجبر العالم على لوم إسرائيل على ذلك وليس لومنا نحن، فالفلسطينيون لن يجروا الانتخابات دون مشاركة مواطني عاصمتهم، وستكون رسالتنا للعالم أننا ننتفض الآن في القدس وبيت لحم وغزة وغيرها من الأراضي المحتلة ليس فقط دفاعاً عن قضايانا الوطنية ومقدساتنا، وإنما أيضا دفاعاً عن ديمقراطيتنا وقيمنا الثابتة في المشاركة والحرية، هذه الديمقراطية التي تسعى إسرائيل للتغول فيها، وإفشال أي معنى للوطنية فيها. ونسعى نحن الفلسطينيون بالمقابل إلى حمايتها وتعزيزها من خلال منهج "التوافقية" بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني، والتي أرسى معالمها الرئيس محمود عباس في اجتماعات الفصائل الوطنية مؤخراً في كل من بيروت ورام الله والقاهرة.