الجزية الجديدة لمعركة حماس الانتخابية في القدس
سؤال عالماشي - موفق مطر
يبدو أن القدس لبعض المتهافتين على الاستحواذ على سلطة ما وكراسي خاوية كقصب المستنقعات والعروش الجافة لا تعنيهم، إلا كمادة خطابية يقوون فيها ألسنتهم على المنابر، ومادة للدعاية والادعاء.
عضو المكتب السياسي لجماعة حماس خليل الحية خلال لقاء إعلامي قال: "لماذا لا نتفق اليوم أن نضع صناديق الاقتراع تحت إشراف لجنة الانتخابات في المساجد والمسجد الأقصى والكنائس؟!، لنؤكد للعالم أنه لا تفريط ولا تنازل عن المدينة المقدسة".. مع الإشارة هنا إلى أن الحية لم يغفل عن دغدغة مشاعر المعنيين بسماع شعارات سياسية من حماس لذا قدم لاقتراحه المسبوق بقوله: "إن إجراء الانتخابات في مدينة القدس يجب أن يكون معركة بيننا وبين الاحتلال".
سبق الحية كثيرون ممن لا يرون في الانتخابات التشريعية سوى وسيلة نقل تمكنهم من الوصول إلى مركز التشريع في السلطة الوطنية الفلسطينية، واعتبروا إصرار الرئيس أبو مازن وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ألا تجرى الانتخابات دون القدس ترشحا وتصويتا وفي مركزها، وحيث يقيم المواطنون المقدسيون في عاصمة فلسطين المحتلة وليس في أي مكان خارج أسوارها ذريعة لتأجيل الانتخابات، أما وقد كشف عضو مكتب سياسي لحماس عن مستوى رؤية جماعته لمستوى ومكانة معركة الانتخابات التشريعية في القدس، فقد بات واضحا أنها أي معركة (القدس) بالنسبة لهم والمتحالفين معهم تشبه إلى حد كبير معركة ما سمي مسيرات العودة التي بدأوها بزف بشرى اقتراب يوم العودة وأنهوها عند حاجز الاحتلال في بيت حانون باستلام حقائب مكدسة بعشرات ملايين الدولارات تسلم لهم شهريا مختومة بدمغة الشاباك الإسرائيلي وموصى عليها بمقولة "نبغي هدوء"! ولكن بعد ثمن باهظ دفعه المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة حيث استشهد (316) مواطنا منهم (62) طفلاً، وسيدتان، و(9) مواطنين من ذوي الإعاقة الجسدية، و(4) مسعفين، وصحفيان اثنان. أما الجرحى فبلغ الرقم (35.703)، منهم (6534) طفلا، و(2642) سيدة وبترت أطراف علوية وسفلية لـ (158) شاباً أصيبوا برصاص جنود وضباط جيش الاحتلال. وفعلا دخلت حماس معركة مسيرات العودة وربحتها (بجزية) فرضتها على سلطة الاحتلال كما ادعى مشايخها وأعضاؤها ذوو شأن ومكانة في الجماعة، في أسوأ تضليل لوعي الجمهور الفلسطيني في تاريخ القضية الفلسطينية والصراع مع منظومة الاستعمار والاحتلال الصهيوني العنصري.
لا ندري حتى الساعة كم ستكون قيمة (الجزية) الجديدة التي سيطلبها الحية في معركة حماس الجديدة، لكننا على دراية إلى حد اليقين أن مفهوم جماعة الاخوان المسلمين فرع فلسطين المسمى حماس لمعركة الانتخابات في القدس لا يختلف عن المفهوم الأصل لدى الجماعة للقضايا الوطنية المصيرية، وتحديدا قضية الصراع مع منظومة الاحتلال إسرائيل، فهؤلاء أينما كانوا وفي أي بلد يحتلون فيه سدة السلطة يغيرون بوصلتهم مئة وثمانين درجة، فتصبح إسرائيل (العدو) صديقا عزيزا، ويصير بعضهم كوتد تشد عليه حبال خيمة حكومة دولة الجريمة والعنصرية.. فرجال الجماعة مستخدمو الدين (الإسلامويون) بارعون في البيع والشراء والتجارة بدماء الفلسطينيين، لن يترددوا في بيع قضية الانتخابات في القدس، أما الثمن فمن البديهي أن يبدع مشايخهم الجاهزون دائما لتبرير فعلتهم بالفتاوى بإخراجه للجمهور مغموسا بمصطلحات دينية ومن هذه الحلول اقتراح الحية.
قلنا إن الانتخابات ستكون مفتاحا لإنهاء آثار انقلاب حماس في العام 2007 على السلطة والقانون ومنظمة التحرير والذي يسميه البعض ظلما الانقسام، لكن لو قلنا على سبيل الافتراض والجدل أن السلطة الوطنية ولجنة الانتخابات المركزية قررت وضع صناديق الاقتراع في مساجد وكنائس قطاع غزة دون الحاجة إلى حوارات ولقاءات واتفاقات وفي القاهرة مع حماس، أي دون حالة توافق معها، فهل كانت حماس ستمتنع عن اقتحام المساجد والكنائس وتدمير الصناديق واعتقال المراقبين عليها، الجواب لا، فجرائم مسلحي حماس وقتلهم مواطنين داخل المساجد وفسادهم فيها ما زالت ماثلة، فكيف ستسمح بوجود صناديق اقتراع لانتخابات سلطة تشريعية هي عبارة عن حالة عاكسة لسيادة السلطة الوطنية على المكان على الأقل.. وكذلك سلطة الاحتلال فإنها لن تسمح وستقتحم وتعتقل وتصادر وتغلق وتدمر.
لن تقع الجماهير الفلسطينية بهذا الفخ كما وقعت في أفخاخ مسيرات العودة، إذ لا يمكن تفسير اقتراح خليل الحية عضو المكتب السياسي لحماس سوى رغبة جامحة بالوصول الى لحظة الاقتراع بأي ثمن، حينها ويومها أي في الثاني والعشرين من شهر أيار/مايو المقبل ستقتحم قوات الاحتلال الاسرائيلي المساجد والكنائس وتصادر الصناديق وتعتقل المراقبين وتمنع المواطنين الفلسطينيين المقدسيين من حقهم القانوني في الاقتراع، وبذلك يفرح الذين انتظروا هذه اللحظة للانقضاض على حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح رائدة المشروع الوطني وقائدة الشعب الفلسطيني نحو إنجاز الاستقلال والدولة، ظنا أن فتح ستدخل الانتخابات ضعيفة غير متماسكة، فيحققون هدفهم من معركتهم في هذه الانتخابات وهي ضرب العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتجريد الشعب الفلسطيني من قراره الوطني المستقل، وإعدام مشروع الدولة المستقلة، والبقاء في حوض الحكم الذاتي البارز جيدا في كثير من البرامج التي تبشر بها قوائم انتخابية كثيرة.. هذه هي معركة الانتخابات في القدس حسب نواياهم المكشوفة، فهؤلاء كالضفدع الشفاف، ينق كبقية الضفادع، لكن جوفه مكشوف للعيان بكل تفاصيله.
معركة القدس بالنسبة لنا كحركة تحرر وطنية حسمها رئيس الشعب الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، وكذلك فصائل منظمة التحرير في بيانها إثر اجتماعها قبل ثلاثة ايام بتأكيد القرار الوطني "لا انتخابات دون القدس"، فهي انعكاس لاستراتيجية كفاح ونضال وطني هدفها تكريس حق الشعب الفلسطيني القانوني والسياسي والتاريخي والطبيعي في كل مكان على أرضه المحتلة، فهو صاحب الأرض، وإن الاحتلال طارئ لا يمكنه سلبه حق الانتخاب ترشحا وتصويتا وفق قانون ونظام الدولة المحتلة (فلسطين الواقعة تحت الاحتلال) وإن إسرائيل باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال لا يحق لها منع المواطنين أصحاب الأرض من ممارسة هذا الحق المكفول في القوانين الدولية.
معركتنا الانتخابية هدفها القدس باعتبارها عاصمة دولة فلسطين، الانتخابات التشريعية إرهاص لانتخابات برلمان الدولة، وإذا قدَّرنا أن الانتخابات لم تحقق هدفها المنسجم مع قرارات الشرعية الدولية بأن القدس الشرقية ارض فلسطينية محتلة وأن كل إجراءات سلطة الاحتلال الاسرائيلي فيها باطلة، وأن منع المواطنين الفلسطينيين المقدسيين أو المواطنين في أي مكان آخر يعتبر انتهاكا ومخالفة للقانون الدولي، وجريمة تصنف تحت بند الارهاب ما يعني جريمة ضد الانسانية، فلا داعي للانتخابات برمتها، فنحن لا يمكننا نظم أهداف وطنية مركزية ليست القدس على رأسها، كما لا يمكننا بيع أوهام لشعبنا بأننا بتنا بأحسن حال وبأننا يمكننا استثناء جوهر وروح قضيتنا، واستثناء المقدسيين عنوان الوفاء للأمانة والحفاظ على المقدسات، فالمواطنون الفلسطينيون في القدس ليسوا موظفي وكالة حراسة، وإنما هم تاريخ وحاضر ومستقبل المدينة، وحتى يتمكنوا من ممارسة حقهم في الانتخابات مثل مواطني دولة فلسطين يمكن اجراؤها في مراكز اقتراع رسمية تحددها لجنة الانتخابات المركزية لدولة فلسطين، ولكن ليس في دور العبادة التي نزهها قانون الانتخابات ومنع زجها في السياسة.