عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 14 نيسان 2021

الكنعانيون في معبد الكَرْنَك

حسام أبو النصر

توالت الاكتشافات الأثرية، والتي أرخت الحقب التاريخية في مصر القديمة بما تضمه من كنوز، ورموز، ومخطوطات هيروغليفية حجرية وبردية، حيرت العلماء والباحثين في محاولة لفك ألغازها، وقد نجح شامبليون، في فتح هذا الباب، وتقريبا تم تأريخ أغلب الأسر المصرية القديمة وتسلسلها وحكامها، لكن المهم أيضا لنا كفلسطينيين هو الذي جعل لهذه المكتشفات أهمية لدينا خاصة في ظل حرب التاريخ التي يشنها الاحتلال منذ إعلان دولته على أرضنا، في محاولة لتزوير الحقائق وتغييرها بوقائع جديدة في محاولة لتغيير مجرى التاريخ، وأمام كل ذلك تأتي المكتشفات الأثرية المصرية الجديدة لتدحض جزءا كبيرا من روايات الاحتلال الإسرائيلي، حيث أعلن رئيس بعثة الآثار المصرية عن انتهاء مشروع ترميم أكبر لوحة تاريخية في معبد الكرنك في الأقصر، بارتفاع 5.70 متر، وعرض 2 متر، وسمك متر بوزن 20 طنا، لتعد أكبر لوحة تاريخية حتى الآن، كانت مهشمة إلى أربعة أجزاء، أهم جزء منها اكتشف بالصدفة في أسيوط عند أحد الفلاحين كان يستعملها رحاية للقمح، ما ترك أثرا على اللوحة، وعندما حدث خلاف بين الفلاح وجيرانه أبلغوا عن هذه اللوحة لتعود إلى مكانها في الأقصر، بعد أن ألحقت بأجزائها الثلاثة الأخرى، جزأين منهما كانا في الأقصر، وواحد في منطقة مخزن الشيخ لبيب، وهنا تظهر أهمية اللوحة الجرانيتية بما فيها من نصوص تؤرخ لانتصارات الملك الفرعوني أمنحتب الثاني في فلسطين وسوريا، أثناء حملاته التي كانت تهدف لإخماد الثورات هناك، وكان الملك ستي الأول قد رمم نفس هذه اللوحة قبل أن تفقد في القرون الوسطى، وتأتي أهمية اللوحة الموجودة في معبد الكرنك، بتتويجها لاكتشافات أثرية هامة سابقة، منها اكتشاف رسائل تل العمارنة عام 1885م، في صعيد مصر، والتي تعود للقرن الرابع عشر قبل الميلاد، ووصفها المؤرخون أنها كتبت بلغة مختلطة بين الكنعانية والأكادية المسمارية، ومجموعها 382 لوحا طينيا، وتسلط الضوء على الثقافة ولغة الكنعانيين في العصور التي سبقت المسيحية، وعلى الرغم من كتابة جزء كبير منها بالأكادية البابلية (بلاد ما بين النهرين)، إلا أنها تشير إلى اللغة الأم لمن كتبوها وكانوا يتحدثون الكنعانية في شكلها المبكر، وهي عبارة عن مراسلات بين الملوك الفراعنة والملوك الكنعانيين، منهم (لابيعا) ملك شكيم، (ايل دايا)، (عبدي ميلكي) ملك شكيم(نابلس)، (عبدي تيرزي) ملك حاصور(قرب صفد)، (زوراتا) من عكا، (زاتاتنا) من عكا، (برعديا) ملك مجدو (تل المتسلم)، (موت بعلو)، (بعلو ميحير)، و(شوارداتا) ملك قليتو، (داسرو)، (ميلك ايلي) حاكم جارز، (بعلات نسه)، (عبدي هيبا) ملك القدس، (سوراتا) حاكم عكا، (انداروتا) حاكم اكشف، (ياهتيري) حاكم غزة، (ويديا) ملك عسقلان، (يابني ايلو) حاكم لاخيش(شمال النقب، قبيبة حاليا)، (زمرى دي) ملك لاخيش، (سبتي بعلو)، وغيرهم من الملوك في فلسطين وسوريا، وقد شملت هذه الرسائل تفصيلا للمناطق التي وصلت لها قوات أمنحتب الثاني ومن خلفه، شملت (شارونا) بين يافا وقيصرية، (ابق) شمال فلسطين على بعد 5 كيلومتر من (بيت شان)، ووصل (يحما)، وسقطت (ماباسن وخاتيتان) غربي سوكا(شويكة الحالية الواقعة شمال مدينة نابلس)، ووصل ايضا بلدة (اتورين) ثم (مجدول يون) في إقليم السامرين، كما أخضع الفرعون اقليم (قبعا سومنه) تقع مكان بلدة الشيخ ابريق جنوبي حيفا، وتذكر اللوحات والرسائل أن أمنحتب الثاني أخضع كل الملوك في فلسطين لحكمه وأسر 90 ألف أسير على فترات متتالية، وعرضت إحدى الرسائل بالتفصيل عدد من الاسرى،منهم 240 امراة كنعانية، و640 رجل كنعاني، و200 من أبناء الأمراء وقائمة الغنائم، وتؤرخ أن الحملة عبرت نهر الارنت (نهر العاصي)، ووصل قرية منزاتو وهثرعا على يمين النهر، هذا كله يضاف للوحة مرنبتاح التي ارخت حملاته على كنعان وقد اكتشفها المؤرخ فلندرز بتري، والتي ارخت انتصار امنحتب الثالث،وذكر هزيمة شعب يزريار (مرج بني عامر) وهزيمة اشكلون، وحيزر وينعم،وغيرها من المدن، واهم ما في هذه المراسلات، مراسلة بين ملك القدس، وملك الفراعنة طلب فيها إمداده بالمساعدة والقوات كي يصد هجمات الغزاة العبيرو (خبيرو)، الذين عبروا نهر الأردن.

وبذلك تأتي أهمية هذه الرسائل للفلسطينيين بذات الأهمية للمصريين لأنها تؤرخ للحضارة الكنعانية وما حل بها، وجاءت كدليل مادي يضاف إلى مجموع الاكتشافات في فلسطين التي تدل على حضارة كنعان المؤسسين، بل وتمتد لعمق التاريخ للنطوفيين. كما أن المكتشفات الأثرية في منطقة دير البلح في منتصف ستينات القرن الماضي تؤكد مدى العلاقة الوطيدة بين الحضارة المصرية والفرعونية، وذلك من خلال التوابيت المكتشفة، ومجموعة الجعارين التي استعملت خاصة في عهد الملكة حتشبسوت، وأمنحتب الثاني، وقد استعملت كقلائد وخواتم، والتي كانت أيضا مذكورة في نقوش الكرنك، حيث سميت الطريق الواصل بين مصر وفلسطين وتحديدا ساحل غزة بطريق حورس، وقد ذكرت لوحات الكرنك هزيمة الهكسوس الذين حكموا الجزء الشرقي في مصر، وقد ذكرو كقبائل آسيوية ويقول المؤرخون أنهم نسل الكنعانيين. وبذلك كانت معابد الكرنك خير شهادة ليس فقط على الحضارة المصرية القديمة بل وعلى الحضارة الكنعانية وجسدت سمات العلاقات الدبلوماسية بينهما من خلال تلك الرسائل والمكتشفات الجديدة تؤكد كل يوم الوجود الفلسطيني الكنعاني منذ القدم لتؤرخه الحضارات الأخرى وتكون شاهدا عليه.