عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 05 نيسان 2021

مومياوات الملوك... من الخبيئة إلى الفسطاط

حسام أبو النصر

تابع العالم بشغف كبير، العرض المهيب لرحلة الموكب الجنائزي لمومياوات ملوك مصر الفرعونية القديمة، وقد استغرب البعض من هذا الحدث الكبير، وأنه كان من الممكن الاكتفاء بإخراج التوابيت دون ضجة، لكن الحقيقة مصر أرادت بهذا الاحتفاء تحقيق عدة أهداف وإيصال رسائل، أهمها إعادة المكانة السياحية التي حاول الراديكاليون استهدافها وضربها، حيث طالت أيديهم العابثة حتى المتحف الإسلامي، لذلك كان احتفالا مهيباً ذا عدة أبعاد، منها تأمين هذه التوابيت التي لا تقل ترتيباتها عن حماية ٢٢ ملكا ورئيسا حاليا لعدة أسباب أهمها، ما تمثله هذه المومياوات من بعد تاريخي وحضاري وثقافي وإنساني، لذلك حمايتها جزء مهم من حماية تاريخ مصر القديم والعالم، وقد اتخذت مصر لهذا موكب طقوس وإجراءات غير اعتيادية شملت إغلاق أهم ميادين مصر، ميدان التحرير، وعشرات الشوارع المتفرعة منه، وأمنت كل الطرق ما بين المتحف المصري ومتحف الحضارات على مسافة 5 كيلومترات، في مسيرة استمرت 49 دقيقة، فيما كانت تصاحبها طائرات تؤمن الجو، وقوارب وانتشار أمني على طول المسافة، وأذكر هنا ما قاله لي المؤرخ الراحل عصام سيسالم، إن الآثار التي لا تستطيع حمايتها أتركها مدفونة، وبالتالي تبدأ المعاناة في حمايتها منذ لحظة خروجها من باطن الأرض لتصبح مهمة حفظها أصعب من بقائها مدفونة، وهذا ما كان يخشاه المصريون القدماء، لذلك كانوا يبنون مدافن وهمية ضد السرقات.
أما الهدف الثاني الذي أرادته مصر فهو إعادة الاعتبار للسياحة بعد الجائحة التي ضربت العالم، وأدت إلى تراجع في القطاع السياحي بشكل كبير جداً على مستوى العالم، علما بأن هذا القطاع يمثل 40% من الدخل القومي المصري، لما لا، فمصر تضم ثلث آثار العالم، مسكونة بهذا السحر الذي يبقيها في حالة اكتشاف دائم، ويجعلها محطاً للأنظار والمتابعة الدائمة من علماء الآثار والتاريخ، وقد يكون اختيار وقت خروج الموكب الملكي ليس صدفة ولا اعتباطاً، بل يتطابق مع ساعات الدفن الجنائزي لدى المصريين القدماء، فكان كل شيء منظما، ويليق، ويستحضر تلك المواكب الملكية التاريخية من خلال اللباس والقوارب، والعربات، والأدوات، والمباني التي تحاكي حضارة مصر القديمة، ترافقها أوركسترا عالمية مصرية وجوقة فنية عالية، وتغطية إعلامية كبيرة، فيما وضعت المومياوات في كبسولات نيتروجينية لمقاومة البكتيريا والاهتزاز، بدقة متناهية، باعتبار أن آخر عملية نقل تمت منذ 85 عاماً، حيث يعود تاريخ اكتشاف المومياوات لأواخر القرن التاسع عشر، في مقابر الأقصر، داخل خبيئتي الدير البحري عام 1881م، والملك امنحتب الثاني عام 1898م، وتم نقلهم إلى متحف بولاق، وخوفاً من أن يتكرر فيضان عام 1878م (ما قبل الاكتشاف)، والذي جاء على جزء كبير من آثار متحف بولاق، تم نقل المومياوات إلى سرايا الجيزة عام 1891م، في قصر إسماعيل باشا، ورقدوا هناك حتى قام الخديوي عباس حلمي الثاني بافتتاح متحف التحرير عام 1902م، وتم نقل المومياوات إلى هناك، وفي عام 1931م تم نقلها إلى ضريح سعد زغلول حتى عادت إلى المتحف المصري عام 1936م، ولكن لم تعرض للعامة حتى عام 1952م، حين طلب الخديوي توفيق أن يرى الملك رمسيس الثاني، فتم فك لفافات التحنيط، بعدها عرضت بشكل مفتوح للزوار، وكل هذه الوقائع، تدل على مدى الاهتمام العالي بحفظ تلك المومياوات، ليس فقط من المصريين بل من اليونسكو والتي فكرت معهم بعمل متحف الحضارات عام 1983م، في قلب الفسطاط عاصمة مصر الإسلامية، والتي أسسها عمرو بن العاص، بعد الفتح الإسلامي، وتضم حصن بابليون وبحيرة الفسطاط، ليتم افتتاح المتحف عام 2021م، ويكون البيت الأخير لملوك مصر القدماء ومعهم 50 الف قطعة أثرية، تمثل مختلف العصور. فيما تظل المكتشفات الأثرية تثير الدهشة، آخرها مقبرة المنيا اكتشفت فيها 50 مومياء، ومقبرة سقارة التي اكتشفت بها حيوانات محنطة.
 وبالتأكيد أن تاريخ مصر لا ينفصل عن تاريخ فلسطين، حيث أرخت المعابد المصرية ومنها معابد الكرنك لـ 119 مدينة كنعانية، ما أعاد كتابة التاريخ، بعد أن كان يعتمد على الكتب المقدسة، وكانت رسائل تل العمارنة خير شاهد على ذلك، فيما كانت المكتشفات الأثرية في منطقة غزة منطقة أبو سليم ذات أهمية عالية والتي تمثلت بأكثر من 50 تابوتا كنعانيا، يحاكي بعضها الطراز الفرعوني، وقد تم الاستيلاء عليها من قبل الاحتلال الإسرائيلي في ستينيات القرن الماضي، من قبل وزير جيش الاحتلال آنذاك موشيه ديان، وتعرض الآن في المتاحف الإسرائيلية، وكل ذلك يدل على العلاقة التاريخية التي ربطت مصر الفرعونية بفلسطين الكنعانية، والتي ظهرت بشكل واضح في عهد أحمس الأول الذي أنهى حكم الهكسوس في مصر، كل ذلك استحضرناه من خلال مشهد الموكب الملكي الذي جدد معرفتنا لهذا التاريخ العريق.