المشاكل الأسرية في ظل جائحة كورونا
رحمة الحاج أحمد

إن العائلة أهم ما يملك الفرد وأهم ما يسعى الأبوين الى العطاء لأجله, ولكن يحال المرء في أوقات معينة الى مواقف صعبة تنغص اتمام هذا الواجب على اكمل وجه. مثل الوضع الاقتصادي في الدولة التي تعيش بها الاسرة او قدرتها وطاقتها على مواجهة المشاكل النفسية والمعنوية داخل الاسرة.فليس من السهل أن يسيطر أحد على الاستقرار النفسي والمادي والمعنوي لأسرته في ظل حياة مليئة بالمعيقات والماديات وخاصة في هذه الفترة مع جائحة كورونا.
المشاكل الأسريَّة تعني وجود نوع من العلاقات المضطربة بين أفراد الأسرة والتي بدورها تُؤدّي إلى حدوث التوتُّرات، سواء أكانت هذه المشاكل ناتجة عن سوء سلوك أحد أفراد الأسرة أو الطرفين الرئيسيين فيها، وتؤدي كثرة الشجار والاختلاف بين الأبوين، أو بين الأبناء، أو بين الأبناء والأبوين إلى جعل الأسرة في حالة اضطراب، ويفقد الأبناء هيبة الأسرة واحترامها والانتماء لها.
يهدف هذا المقال الى تسليط الضوء على الامور التي تحول دون الصحة الأسرية في العائلات الفلسطينية وما هي المشاكل التي تواجهها العائلة الفلسطينية وكيفية تعاملهم معها وما هي العوامل التي تساعدهم على التكيف مع هذه المشكلات وتحملها وما هي العوامل التي تساعد على تحسين الصحة الاسرية للعائلة وعلاقتكم الأسرية بشكل عام.
من خلال استخدام المقابلات شبه المنظمة لعينة من الاسر الفلسطينية بعد سماع الرأي العام من افراد العينة تم استنتاج أكثر المشاكل الأسرية شيوعا بين افرادها ومفادها : الوضع الاقتصادي السيء الذي تمر به البلاد والتعليم الالكتروني والضغوط الاجتماعية والمادية التي تزداد صعوبة مع الوقت.
أول مشكلة اتفق عليها أفراد العينة هي : الوضع الاقتصادي ..
ان جائحة كورونا هي مسبب رئيسي في الوضع والوقت الحالي للمشاكل الأسرية, لانها سببت انتكاسة عظيمة في الاقتصاد الوطني وأودت الى اغلاق مشاريع كاملة وخسارة الافراد لوظائفهم بسبب قلة الطلب والاغلاقات المتكررة, مما ادى الى ادخال غالبية الشعب الفلسطيني في وضع اقتصادي سيء من دون مساعدات مادية او معنوية تذكر من المؤسسات المسؤولة مما يجعل الحياة بكل متطلباتها اصعب, فان لم تجد قوت يومك او ما يكلفك لكي تعيش حياة عادي على الاقل يزيد من الضغوطات الاجتماعية والنفسية عليك.
لذلك تجد نفسك تعاني من اعصاب سهلة الاستفزاز او تواجه متطلبات ابنائك وافراد اسرتك دون حيلة. لكن لا تهلع.. ان الوضع الاقتصادي يؤثر على جميع افراد المجتمعات الفلسطينية والعربية وحتى الاجنبية, هنا سأتطرق الى كيف يواجه الشعب الفلسطيني هذه المرحلة وكيفية التعامل معها لكي تشعر أنك بامان وأن هنالك من يسعى الى ما تسعى اليه أنت أيضا.
الطريقة التي اتفق عليها غالبية افراد العينة لمواجهة هذه المشكلة والتأقلم معها:
أن الغالبة تلجئ اولا الى التوفير والاقتصاد وتفضيل الانفاق على امور ذات قيمة اعلى من غيرها في البيت, فان الصبر والتحمل هو اول رد تسمعه من الاهالي والافراد الفلسطينيين على كيفية التعامل مع الوضع الاقتصادي السيء ثم قد يلجئون الى مساعدات لدعم مصادر الرزق داخليا وخارجيا. فمنا من يسعى الى ايجاد مصدر دخل اضافي عن طريق مشاركة العاطلين عن العمل في الاسرة لايجاد مصدر دخل مثل مشاريع صغيرة او وظائف جديدة.
وقد يلجئ الناس الى البحث عن مصادر خارجية لتموين الاحتياجات مثل اللجوء الى الاصدقاء واهل الزوج والزوجة للديون والمساعدات المادية او حتى الى القروض والشيكات البنكية لاتمام متطلباتهم الحياتية.
وأما عن النوع الثاني من المشاكل فهو نوع التعليم الجديد "الالكتروني"
الذي أجبر الاطفال والمراهقين وطلاب الجامعات على التعلم عن بعد دون رقابة كافية بسبب عدم القدرة على الرقابة لبعد المسافات مما جعلها مهمة صعبة على الاهالي لمتابعة شؤون التعليم الجديد لاولادهم. عدا عن أن الانترنت ليس متوفر بشكل ممتاز في الاراضي الفلسطينية بسبب قلة نوعيته ومنع الاحلال للحرية لتحسينه بل ايضا الكهرباء والشتاء الذي دائما يؤثر على جودة الانترنت, والوضع الاقتصادي الذي يصعب على الاهالي توفير وسائل وأجهزة اليكترونية لدعم حضور الحصص والمحاضرات.
وطريقتهم في التعامل مع هذه الازمة : هو التواجد والتشديد بشكل أكبر على الطلاب المتواجدين في البيت ودعمهم معنويا لاجتياز صعوبة التعلم عن بعد ومحاولة توفير بيئة هادئة ومريحة للطلاب دون ازعاج لكي يتمكن الطالب من متابعة دروسه باكمل وجه وان كان الطالب طفل فمن المؤكد انه يحتاج الى وقت ورقابة اكبر على متابعة الحصص فيخصص الاهل لهم وقت اكبر لمتابعة دروسهم.
وأجاب افراد العينة عن عوامل تعزيز العلاقة الأسرية في هذه المرحلة :
أولا : تخصيص وقت اكبر للعائلة
ثانيا : التفاهم والصراحة
ثالثا : تحمل بعضهم البعض
رابعا : تفهم الوضع الاقتصادي
خامسا : مساعدة الافراد في توفير دخل ثانوي
أما عن الدعم النفسي والصلابة النفسية فهي أهم عامل من عوامل تخطي وتحمل المراحل الصعبة هذه والتعامل معها :
يتحدث افراد العينة عن التحمل والصبر والعفاف وعدم التطلب بشكل كبير مما يجعل حياته اسهل, فتفهم الاباء لاولادهم وارشادهم الى طرق التعامل مع الازمات الحالية هو من اول الخطوات التي يلجئ اليها الاباء. التعاون وايجاد وقت اضافي الى العائلة هو ابرز ما لجئ اليه الافراد خلال جائحة كورونا.
فان الاغلاقات الكثيرة زادت من فترة الجلوس في البيت والتقاء افراد العائلة بعضهم البعض لوقت اطول مما يقوي علاقتهم سويا ويزيد من تفهمهم وتفاهمهم بعضهم البعض.
فان الجائحة هذه قد تملك اثرا ايجابيا او سلبيا على حياتك. لكن من المؤكد انها زائلة وذات نهاية. احرص على الصراحة والتقبل وتفهم افراد عائلتك والتعاون معهم لكي ترفع من مستوى الصحة الاسرية في بيتك.
تم كتابة هذا المقال تحت اشراف د.فاخر الخليلي في مساق العلاج الاسري لتخصص علم النفس السريري في جامعة النجاح الوطنية نابلس