عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 آذار 2021

معايير التخلف

كلمة ورد غطاها- يوسف أبو عواد

تختلف معايير الجودة القيمية من مجتمع لآخر في تصنيفه لمراتب فئات الأفراد تبعا لثقافته وأعرافه وتقاليده.

بعض المجتمعات تعطي الأولوية في تقدير الشخص لمدى التزامه بالدين وتجسيده القدوة بسجاياه وأخلاقه، فأصبح رجال الدين في هذه المجتمعات لهم الأولوية في التقدير والإجلال، حتى بات يطلق عليهم أصحاب الفضيلة.

مجتمعات أخرى تعطي الأولوية في القيمة والمرتبة الاجتماعية للعلماء، الذين خدموا ويخدمون بعلمهم هذه المجتمعات في شتى الميادين، مستشهدين بالقرآن الكريم:

(إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء)، ومن السنة الشريفة: "العلماء ورثة الأنبياء".

مجتمعات أخرى تعطي الأولوية في إجلالها وتقديرها للأبطال الوطنيين، الذين نذروا حياتهم لاستقلال بلدانهم ورفعتها ولتحرر شعوبهم، ويقيمون لهم المجسمات في الساحات والميادين إجلالا لبطولاتهم وعرفانا بتضحياتهم من أجل الوطن والمواطن.

ومجتمعات أخرى تعطي كل التقدير لشيوخ قبائلها الذين يمثلون العشيرة والعدالة وكرم الوفادة بما يجسدونه من عنوان للقبيلة.

إلى عهد قريب وفي عقود خلت كنا في معاييرنا القيمية نأخذ بجميع هذه المعايير وأخواتها في تقديرنا وتقييمنا لمكانة الفرد في المجتمع، كنا نجل ونقدر أصحاب الفضيلة والعلماء، ونمجد الأبطال، ونوقر كبار ورجالات العشيرة.

اليوم انقلبت الموازين واختلت المعايير، وأصبح اصحاب الدثور والملاءة والمال هم من لهم الأولوية في الاحترام بمجتمعاتنا، بصرف النظر عن مصادر أموالهم، باعوا، صاعوا، تعاطوا بالحشيش، بالنصب بالاحتيال، بسرقة المال العام، بالتخابر، كل هذا لا يهم، المهم أنهم الآن هم من يدعمون الجمعيات والنوادي وحتى السلطات المحلية، وصاروا هم من تقدم لهم الدروع وشهادات التكريم، وتفتح لهم الأبواب، وتقبل منهم الشفاعات، ويسحج لهم المنافقون وأصحاب المصالح، المهم أنهم أصحاب الأرصدة والملايين، وزاد الطين بلة، أن أبواب الحاكميات والسلطات مشرعة لسياراتهم الفارهة، وبالعزائم والهدايا وشقيقاتها أمورهم سالكة تماما في مختلف الدوائر، ولها الأولوية على الدوام.

فيما جرى التهميش لمختلف الفئات الأخرى، إلا من مجاملات تفرضها الحاجة وعند اللزوم.

والنتيجة، أن أصبح شبابنا ورجالنا، الملتحي منهم والحليق، يتسابقون في جمع المال بالسحت والحلال ليصبحوا من أهل الدثور ورجال الأعمال، ويركبوا الهمرات والجيبات ويشيدوا الفلل والقصور.

فزادت السرقات، والقروض، والبيع، ومزارع الحشيش وتجارة الممنوع واستشرى الفساد، وعم الجشع،  ولم يعد أي وزن أو قيمة لعالم ولا لمعلم ومربي اجيال، ولا لموهوب أو أديب آو شاعر، وساد التجهيل وانحسرت الثقافة وتوارى المثقفون، فلا ندوات ولا أمسيات شعرية، ولا حتى صوت أو احترام لأصحاب المواهب والمبدعين.

للأسف صار الجميع (إلا من تدثره فروة القناعة)، عبيدا لليورو والشيقل والدينار، حتى وصل الأمر أن تحول بعض الثوار إلى تجار، ونسأل مستغربين لماذا شحت الأمطار، وتتناقص الأعمار، وحفت بنا الأخطار، وننسى أو نتناسى أن هناك آخرة وجنة ونار.