اسرائيل في الواقع العربي.. ما العمل؟
باسم برهوم
لم يحدث فجأة ان اصبحت اسرائيل جزءا من الواقع العربي، وليس جزءا من الاقليم فقط، هناك تاريخ طويل تدرج فيه القبول العربي بدولة اسرائيل إلى ان وصلنا لحظة التطبيع مع عدد من الدول العربية، تطبيع في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والامنية. القبول العربي الرسمي الاول والعلني جاء في اتفاقيات الهدنة عام 1949 بين اسرائيل من جهة وبين مصر والأردن وسوريا ولبنان من جهة ثانية، على اثر هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948. اما القبول العربي الرسمي الثاني، فقد جاء عندما وافقت دول المواجهة على قرار مجلس الامن رقم 224 الذي صدر بعد هزيمة الدول العربية في حرب عام 1967, ثم جاءت اتفاقيات السلام المصرية مع اسرائيل عام 1978 لتتوج مرحلة اولى من هذا القبول.
اما المرحلة الثانية فجاءت مع مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 والذي حضرته معظم الدول العربية الى جانب اسرائيل، وهي مرحلة توجت بتوقيع اتفاق اعلان المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل عام 1993, وفي اتفاقية السلام مع الأردن (اتفاقية وادي عربة) عام 1994 وبمفاوضات مع سوريا لم تنته الى اتفاق بعد اغتيال رابين عام 1995.
وهنا لا بد من توضيح مسألة اما لا يعرفها البعض او يغفل عنها البعض الاخر، وهي ان اتفاق السلام الفلسطيني الإسرائيلي لم يكن معاهدة سلام، كما هو الحال مع مصر والأردن، اي انه لم يكن اتفاق سلام نهائيا، انما هو اتفاقية اعلان مبادئ ولمرحلة انتقالية بعدها يمكن التوصل الى معاهدة. لذلك ومن هذه الفكرة جاءت المبادرة العربية للسلام عام 2002 لتقول لاسرائيل ان اي تطبيع عربي معها يجب ان ياتي بعد انسحاب اسرائيلي من كافة الأراضي الفلسطينية والعربية التي تم احتلالها عام 1967، وبعد توقيع اتفاق سلام نهائي مع الجانب الفلسطيني يحقق اقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وبعد توقيع اتفاق مع سوريا. فالقبول النهائي باسرائيل كان مشروطا بإنهاء الاحتلال وإقرار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بما في ذلك ايجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين على اساس قرار الامم المتحدة 194, هكذا هي معادلة المبادرة العربية والتي بموجبها يصبح التطبيع الكامل مع اسرائيل متاحا.
الشعب الفلسطيني اليوم امام واقع تجاوزت فيه اسرائيل اي تهديد وجودي، واي امكانية حقيقية تتشكل فيها حالة ضغط عربية على اسرائيل يمكن ان تجبرها على القبول بمعادلة المبادرة العربية. ان اي احتمال لتغيير الموقف الاسرائيلي لن يأتي على الاغلب من العرب بل من ضغط اميركي أوروبي، وهو امر غير متوقع في المدى المنظور نتيجة انشغال العالم بجائخة كورونا، وانشغال كل من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي في مشاكلهم الداخلية.
والحالة هذه.. ما العمل؟ وكيف يمكن للشعب الفلسطيني مواجهة وضع فيه اسرائيل جزء من الواقع العربي، وفيه دول عربية قد تم تفكيكها وفقدت قدرتها على التأثير؟
منذ بداية الصراع مع المشروع الصهيوني، وفي كل المراحل، لم يكن ميزان القوى لمصلحة الفلسطينيين ونضالهم الوطني،، ومع ذلك فقد استمر شعب الجبارين، على رأي الشهيد الخالد ياسر عرفات، في كفاحه وصموده على ارضه، وهو وبالرغم من كل الصعاب، يمثل اليوم وجودا لا يمكن تجاوزه.
ليس هناك من خيار آخر سوى الاستمرار بالنضال والصمود، فهذا هو الكفيل بتغيير الواقع، فإسرائيل لا بمكن اجبارها على تغيير مواقفها والاعتراف بالحقوق الفلسطينية الا عبر الضغط عليها من الداخل. فالمطلوب هو استراتيجية فلسطينية لمقاومة نفسها طويل تضغط على الاحتلال ونجعله مكلفا، مع خطاب سياسي مواجه للعالم برغبة الشعب الفلسطيني الدائمة بالسلام على اساس القانون الدولي.
ولعل الامر الاهم هو الصمود على الارض وبالتالي يكون الهدف والحالة هذه وضع استراتيجية تؤمن باستمرار شروط هذا الصمود. وكما يقول المثل الشعبي "لا يحك جلدك الا ظفرك" فالامل لن يأتينا من الخارج بل يصنعه الشعب الفلسطيني باستمرار الكفاح والصمود.