متلازمة الوباء والفساد
عبير البرغوثي
صدر قبل أيام التقرير السنوي لمنظمة "الشفافية الدولية" حول الشعور بالفساد في العالم، لعام 2020، وما يلفت النظر في التقرير الذي رصد مؤشرات وواقع الفساد في ظل جائحة كورونا أن التقرير أظهر واقعا مريرا واختبارا حقيقيا لمدى نجاعة العالم ونزاهته في المحكات الصعبة، ولا أدل على ذلك من عبارة أنه "ليس فقط لم يتم إحراز تقدم في مكافحة الفساد في معظم دول العالم فحسب، بل إن أكثر من ثلثي الدول التي شملتها الدراسة حصلت على درجات أقل من 50 نقطة".
لقد واجه العالم كورونا، وواجهت الدول والحكومات والشعوب جائحة وتحديات وتداعيات على كل الاتجاهات، "إن جائحة فيروس كورونا ليست أزمة صحية واقتصادية فحسب، بل هي أزمة فساد أيضا" وقد يكون فيروس "كورونا الفساد" أشد خطرا وفتكا بالمجتمعات لأنه استغلال لحالة الانشغال وحالة الضعف التي فرضتها ظروف عام 2020.
تكشف ملفات أداء العديد من الدول الغنية والنامية أن الوباء يغذي الفساد، تماما وكأن الكوارث تشكل مغناطيسا وقوة جذب للاستغلال، فقد كشف تقرير النزاهة الدولية أن الأزمة الصحية التي تصاحب الجائحة تفرض مزيدا من الضغوط على المؤسسات المعنية بمكافحة الفساد، التي تصبح أقل قدرة على القيام بدورها، وكذلك هو الحال أيضا للحكومات والمؤسسات الرسمية التي تركز جهودها على الاستجابة السريعة والتصدي لتفشي الجائحة وهو ما يفتح الباب أمام المفسدين للاستفادة من الأزمة، فرهان الفاسدين يكون على أن المؤسسات المعنية لديها وقت أقل لتنفيذ الضوابط اللازمة لرصد ومحاسبة المسؤولين عن هكذا انتهاكات.
كشفت جائحة كورونا تفشي ظاهرة "القومية" أو التعصب الداخلي في إنتاج وتوزيع المواد ذات العلاقة بمواجهة الجائحة، وتفاوت واقع الوصول والحصول على المطاعيم عالميا مؤشر إضافي على الفجوة ومؤشر كبير على النافذة الكبيرة لمرور أشكال الاستغلال بين الشركات والدول، وفجوة اللقاحات ستكون له آثارها الكبيرة، لأنه لا أحد في أمان طالما أنه لم يتم تطعيم الجميع، لأن الجائحة الحالية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، ولذلك لا يمكن لمتخذي القرار وصانعي السياسات إغفال احتمالات الفساد واحتمال استغلال البعض لحاجة الدول لمستلزمات مواجهة الجائحة، فالإجراءات والشفافية هي متطلب مستمر وليس مجرد دعوات عامة، لأن استغلال الجائحة ليس مجرد شبهة، إنها جريمة لأن الفساد قاتل.