عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 13 تشرين الثاني 2020

عريقات.. عندما تكون وطنيا ملتزما

باسم برهوم

سمعت للمرة الاولى بالفقيد د. صائب عريقات عندما كان يدرس بجامعة النجاح، هذا في نهاية الثمانينيات، الا انه لفت نظري ونظر الجميع عندما اصر في افتتاح مؤتمر مدريد في خريف عام 1991, على رمزية الهوية الوطنية ولبس الكوفية الفلسطينية، عندما رفضت اسرائيل ان تتمثل منظمة التحرير في هذا المؤتمر. ومنذ ذلك التاريخ اصبح اسم عريقات يتردد يوميا في وسائل الاعلام كعضو فاعل في الوفد المفاوض الى ان اصبح كبير المفاوضين.

البعض كان يرى انه متحمس وعاطفي ومندفع في مواقفه وتصريحاته، ولكن كل ذلك لانه كان وطنيا ملتزما، وهو كذلك لانه يريد ان يحقق انجازا او ان يدافع عن شعبه وقضيته الوطنية، التي كان يراها عادلة الى درجة يمنع معها النقاش في ثوابتها واساسها القانوني. انه حالة استثنائية من زاوية الذاكرة، وما راكم فيها من معلومات وتفاصيل كانت متسلسلة بشكل منهجي، وعندما يحتاجها كان يجدها بسهولة، ومرة اخرى لكونه انسانا وطنيا ملتزما ولا يريد الا اثبات شيء وحيد هو حقوق الشعب الغلسطيني وما وقع عليه من ظلم فظيع.

ومنذ ان سمعت عنه اول مرة وحتى التصريح الاخير، كان يتحدث بنفس الوضوح والحماس، يراقب كل التحركات والمواقف، ولم يكن يترك لا شاردة ولا واردة يمكن أن تمس القضية الفلسطينية الا ورد عليها، ويتصرف انه هو من يدافع عنها ويحرسها ويحميها، ومن نبرة حديثه تشعر بوطنيته، والتزامه الذي لم يهتز يوما. وفي كل محطات المفاوضات، بدءا من مدريد، ومرورا باوسلو وقمة كامب ديفيد، كان سندا قويا لياسر عرفات في المواقف الصلبة، يمكن ان يناور ويلف ويدور، لكنه في لحظات الحسم لم تخنه مرة مواقفه، فالثوابت والحقوق الوطنية هي المحرك الاساسي له.

وعندما تنصت اليه وهو يحادثك، تدرك انه نسج مواقفه عبر الربط المحكم بين القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وهذه الاخيرة كان يحفظها كلها عن ظهر قلب، وبين الثوابت الوطنية الفلسطينية. لقد كان مثل جهاز التيرموميتر يتحرك فورا اذا ما حاول احد المس بالشعب الفلسطيني، ويكون جاهزا لكل الاحتمالات ولديه كل الردود، فهذه صفة الملتزم وطنيا.

وحسب تصنيف الاعداء له، فإنه كان المفاوض الاكثر تنظيما في ملفاته، وكان من السهل التعاطي معه، وبالمقابل لم يكن من السهل الحصول منه على اي تنازل. وحسب الاصدقاء فقد كان عريقات العنوان اما للحصول منه على الموقف الفلسطيني، او بهدف ايصال الرسائل للشعب الفلسطيني، وقد بات معروفا لدى السياسيين والدبلوماسيين او حتى  الاعلاميين على مستوى العالم، لذلك تناولت كل وسائل الاعلام مسألة رحيله التراجيدي المبكر عن ساحة العمل السياسي.

لقد كان صائب عريقات جزءا مهما من ذاكرتنا الفردية والجماعية، وعلى امتداد عقود يناضل في الميدان، ويعمل على تعزيز الوعي الوطني، ومن ثم يفاوض ويصبح كبير المفاوضين، وهو لقب استحقه بجدارة الانسان الوطني الصلب والملتزم بقضية شعبه. ومن منا لا يحتفظ بشيء من مدوناته وملخصانه وتقاريره حول محطات تفاوضية او مواقف كان لا بد من الرد عليها.

وداعا يا صائب لقد كنت نموذجا للوطنية الفلسطينية، التي لم تنكسر ارادتها يوما .. يا من كنت صديقا لكل ابناء شعبك، قريبا منهم وقريبين منك.. وداعا يا صائب وانت الصواب.