عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 15 تشرين الثاني 2017

الفراوتية تحتضر.. والشتاء يعيدها إلى الواجهة

أبو إرميلة يصرّ على التمسك بمهنة تراثية حتى الرمق الأخير

* التوجه نحو الفرو الصناعي والملابس المستوردة أدى إلى عزوف المستهلكين عن الطبيعي

* عمر الفروة الطبيعية يصل إلى نحو 30 عاما دون أن تتعرض للتلف

 * للفرو الطبيعي محاسن جمة من أهمها منح الدفء للجسد دون مؤثرات صناعية أو تأثير على الصحة

الخليل - الحياة الجديدة- وسام الشويكي - مهما بلغ أي غطاء ولباس من تقنية عالية في تصنيعه، فليس بقدرته أن يمنح الدفء للجسد أثناء البرد القارس، مثلما يفعلها الفرو الطبيعي.

هذا على الأقل ما يمكن تأكيده من "صانع الفرو" في مدينة الخليل، مشهور صدقي ابو ارميلة (57 عاما)، الذي يطلق عليه "فرواتي"، وورث هذه الصناعة التقليدية قبل 40 عاما عن والده الذي تعلمها من جده منذ السبعينيات، وهو يعمل فيها بمحلهم الأثري داخل البلدة القديمة.

ورغم أنها باتت إلى حد ما مندثرة، وبرغم ما تنم عن تراث عربي أصيل، وما يتهدد مهنة "الفراوتية" من الانقراض والتلاشي التام، إلا أن أبو ارميلة، لا يزال متمسكا بهذه المهنة، وسيبقى محتفظا بها حتى الرمق الأخير، كما يصف، ولا يمكنه أن يتخلى عنها بهذه السهولة، رغم كل ما يعتريها من خطر الاندثار!

كما يعتبر تمسكه محتفظا بها، جزءا من الحفاظ على التراث الفلسطيني، وصمودا داخل البلدة القديمة التاريخية في الخليل، التي تواجه الاستيطان والاستيلاء وطمس التراث من قبل الاحتلال.

هذه المهنة التي كانت تشهد طلبا متزايدا في الموسم الشتوي، ويتفنن "الفرواتيون" في صناعتها ويتنافسون فيما بينهم لتلبية أذواق الزبائن ورغباتهم، وتشكل على الوجه المقابل دخلا ماديا مناسبا لهم، إلا أنها اليوم ونحن على مشارف فصل الشتاء، يندر أن يطلب زبون هذا النوع من الفرو، ما أدخلها في "حالة احتضار"، وأقرب إلى الإفلاس!

وعن ذلك يقول أبو ارميلة لـ "حياة وسوق"، الذي التقاه داخل محله في أسواق بلدة الخليل العتيقة، في الطريق المؤدي الى الحرم الإبراهيمي الشريف: "توجه الناس نحو الفرو الصناعي والملابس المستوردة، أو بمعنى غياب الوعي عنه، هو السبب الأول والأخير في هذا العزوف عن الفرو الطبيعي".

ويتحسر أبو ارميلة على تلك الأيام، ويتذكر جيدا قيمة هذه المهنة قديما، وكيف باتت اليوم مجرد "حديث عن تراث". لكنه ما زال متشبثا بها ويعتبر نفسه ناجحا فيها على اعتبار أنها نابعة من حبٍ لهذه المهنة، متجاوزا ما يكتنفها من صعوبة التسويق، إلى جانب المضايقات التي تتعرض لها البلدة القديمة من الاحتلال، حيث نشأت تلك الصناعة.

وأوضح، في سياق سرده عن العصر الذهبي لهذه الصنعة، أنه كان يعمل بالمهنة أكثر من 20 مشغلا يعيلون مئات الأشخاص من العائلات الكبيرة، وكانت تُصدر منتجاتها إلى الأردن وبلاد الشام وتصل العراق والسعودية، لكنه الآن الوحيد تقريبا الذي يمارس هذه المهنة.

ومع التطور في الآلات ودخول التكنولوجيا الى الصناعات، ومع تزايد معدلات الاستيراد من الخارج، سرق من صناعة الفرو طابعها التقليدي، بل بدأت صناعة الفرواتية "تحتضر"، وهي على وشك الموت، حالها كحال معظم الصناعات التقليدية التراثية، ما لم تحدث توعية شاملة بأهمية هذه المهنة، وتلقى دعماً حقيقياً من الجهات الرسمية والأخرى المهتمة بالتراث؛ كي تبث الروح فيها من جديد، يقول أبو ارميلة.

ويتابع: مهنة الفرواتية بحاجة الى من يعيد مجدها من خلال دعم هذه الصناعة الى الحد الذي يضمن ويكفل الاستمرار في العمل بها، بتأمين المعيشة، ومواجهة شبح الفرو الصناعي زهيد الثمن، الذي يغزو الأسواق.

ويضيف: هناك من يستخدمها للزينة، وكجزء من الاحتفاظ بالتراث، ليس أكثر.

وتعود تسميتها الى الفرو أو الجلد الذي يغطي الأغنام، ويتم الحصول عليها بعد ذبحها وتعريضها لمراحل عدة حتى الاستفادة منها على النحو الذي يجعلها لباسا أو غطاء أو منظرا تراثياً جميلاً.

وعن هذه المراحل، يشرح مشهور أبو ارميلة، أنه يتم غسل الفرو أو الجلد جيدا ثم وضع الملح عليه لمدة لا تقل عن عشر ساعات ليتماسك الجلد وتغلق المسامات، ثم تعريضه لأشعة الشمس، ثم نقعه مرة أخرى. ويتم استخدام "الشبة" كذلك كي تمنحه شيئا من البياض ومزيدا من التماسك.

بعد ذلك، يجري سحب الفرو بواسطة ما يطلقون عليه "المالج"، يتبعها تنظيفه بـ "المبرشة" ثم استخدام "الكرداش"، ويمكن استخدام "المشط الحديدي"، بغية تنظيفه وإزالة الشوائب العالقة به. وتستغرق هذه العملية أسبوعا كاملا على الأقل.

ويلفت أبو ارميلة إلى أن عمر الفروة الطبيعية يصل إلى نحو 30 عاما دون أن تتعرض للتلف، على عكس "الصناعي" الذي لا يدوم طويلا، عدا مساوئه على الصحة كونه مصنوعا من مواد كيمائية وليست طبيعية بحتة.

ويؤخذ الفرو من "الخاروف الرمسي"، صغير السن، هو الأفضل من حيث الحصول على الفرو الطبيعي ذات النوعية عالية الجودة، والنتائج المرجوة.

ويمكن استخدامه، إلى جانب اللبس، جواعد وغطاء للفرشات ولأماكن أخرى. ويذكر أبو ارميلة نقلا عن آبائه وأجداده أن للفرو الطبيعي محاسن جمة، من أهمها أنه يمنح الدفء للجسد دون مؤثرات صناعية، أو تأثير على الصحة، بل على العكس "كان يستخدمه كل من يعاني من أوجاع في البطن والمعدة والكلى".

ولا يزال البعض يستخدمون أشكالا مختلفة من الفراء كزينة تعلق على الجدران أو توضع على الأرضيات في المنازل، إلى جانب استخدامه "ساكو" أو بالطو لكبار السن، أو ملابس أخرى.

ويبلغ سعر الفرو الطبيعي نحو أربعة أضعاف وأكثر من سعر الفرو الصناعي (يصل الى 400 شيكل وأكثر)، وهذا من الأسباب التي أدت إلى العزوف عنه. بيد أن مشهور أبو ارميلة يؤكد مجددا أن غياب الوعي الحقيقي عن أهمية ودور الفرو الطبيعي صحيا، هو السبب للعزوف، ثم غياب الجهل عن كونه تراثا من أصل الأجداد.

ويفسر أكثر: واقعيا، وبحسبة سهلة، فإن الفرو الطبيعي يعتبر أرخص ثمنا من نظيره الصناعي، إذا ما قورن بسنوات خدمته واستمرار جودته، علاوة على فوائده الصحية.

رغم كل هذا، يعتصر قلب أبو ارميلة الألم إزاء ما تواجهه هذه الصنعة، ويجد في نفسه غصة؛ إذ لم يعد إلا القليلون يقبلون على شرائه. حتى أبنائه يحرص على توريثهم إياها، رغم ما يواجهه من صعوبة، في ظل الإقبال الذي يكاد يكون معدوما أمام متطلبات الحياة التي لا تعترف بالمردود القليل والزهيد، إلا أنه يقول: "لدى أبنائه من الخبرة والإلمام بما يؤهلهم للحفاظ على هذه المهنة التراثية الأصيلة".