عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 06 نيسان 2026

من الخيمة إلى لغة العالم… هيا وريم ترويان غزة بلسانٍ آخر وتقاومان بالحلم والعمل

غزة 6-4-2026 وفا- محمد دهمان

في مشهدٍ تختلط فيه قسوة النزوح بصلابة الإرادة، تبرز قصتا الطالبتين هيا جابر القططي (18 عامًا) وريم أبو زايد (20 عامًا)، كنموذجين لشابات فلسطينيات حوّلن الألم إلى طاقة، والمعاناة إلى رسالة، متحديات واقع الحرب والانقطاع، ومتمسكات بحقهن في التعلم والعمل وخدمة مجتمعهن.

هيا، الطالبة في السنة الأولى بكلية الطب، من سكان مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وجدت نفسها مجبرة على النزوح إلى خان يونس، حيث لم تكن الخيمة مجرد مأوى، بل تحوّلت إلى مساحة نضال يومي من أجل البقاء والاستمرار. وسط هذه الظروف، اختارت هيا أن تفتح لنفسها نافذة على العالم عبر اللغة التركية، التي بدأت بتعلمها بدافع حبها للثقافة التركية وشعبها.

تقول هيا في حديثها: "تعلّمت اللغة التركية ذاتيًا منذ صغري من خلال الدروس المجانية على الإنترنت، ولم أكن أعرف بوجود دورات تعليمية، لكنني اجتهدت حتى أتقنتها بشكل جيد".

لم يكن هذا التعلم مجرد هواية، بل أصبح أداة فاعلة في حياتها، خاصة بعد اندلاع الحرب، حيث وظّفت مهارتها اللغوية لنقل معاناة أهل غزة إلى الشعب التركي.

وتضيف: "بدأت بتسجيل مقاطع صوتية باللغة التركية، أتحدث فيها عن همجية الاحتلال، وعن معاناتنا اليومية، عن فقدان الأمان وأبسط مقومات الحياة". هذا الصوت لم يذهب سدى، بل وصل إلى قلوب متضامنين، وكان أحد الأسباب التي فتحت أمامها باب العمل مع جمعية خيرية تركية، حيث أصبحت جزءًا من جهود الإغاثة الإنسانية.

من خلال هذا العمل، تساهم هيا في تقديم وجبات ساخنة يوميًا، وتوزيع مساعدات نقدية، والمشاركة في إدخال الفرح إلى قلوب الأطفال، رغم كل الظروف.

وتؤكد أن "أصعب ما واجهته هو انقطاع الإنترنت، وصعوبة إيجاد مكان آمن وهادئ للتسجيل والعمل، لكن الإصرار كان أقوى".

ورغم التحديات الاقتصادية القاسية، التي جعلت أبسط الاحتياجات صعبة المنال، لم تتخلَّ هيا عن حلمها. تقول: "في ظل النزوح، وانقطاع الكهرباء، وتدمير المدارس، ما زلت أقاوم لأكمل تعليمي، وأحقق حلم والدي الراحل بأن أكون طبيبة، وأن أنفع شعبي ووطني". وتضيف بابتسامة ممزوجة بالألم: "الحمد لله، استطعت أن أساعد والدتي بشيء بسيط من خلال عملي".

أما عن طموحها، فترسمه هيا بوضوح: "أحلم أن أكون ضمن فرق طبية، أعمل في المستشفيات، وأشارك في مساعدة الشعوب المظلومة بعلمي وإخلاصي".

 

وفي شمال غزة، حيث المشهد أكثر قسوة، تعيش ريم أبو زايد، الطالبة في تخصص نظم المعلومات الإدارية، تجربة لا تقل صعوبة.

منذ طفولتها، قررت ريم أن تتحدى نفسها، وبدأت بتعلم اللغة الإنجليزية حتى أتقنتها، لتكون بوابتها الأولى نحو العالم.

ولم تكتفِ بذلك، بل طوّرت نفسها بشكل لافت، حيث أتقنت كذلك اللغة التركية، وتعمل حاليًا على تعلّم الفرنسية والكورية والصينية، في مسار طموح يعكس وعيها بأهمية اللغة كأداة قوة، وقدرتها على إيصال صوت غزة إلى شعوب وثقافات متعددة حول العالم.

تروي ريم: "بدأت عندما كان عمري 7 سنوات، كنت أريد أن أثبت لنفسي أنني قادرة على فعل شيء مختلف". لكن الحرب فرضت واقعًا مختلفًا، حيث عايشت اقتحامات متكررة، ومشاهد صادمة من جثث وهياكل عظمية في الشوارع، دون القدرة على تقديم المساعدة.

وتضيف: "هذا كله أثر علينا نفسيًا بشكل كبير، وجعلنا نتوقف عن كل شيء لفترة، خاصة مع انعدام وسائل الاتصال بالعالم الخارجي". ومع ذلك، لم تستسلم ريم، بل استعادت قوتها من خلال مهاراتها في التواصل، التي ساعدتها في الحصول على فرصة عمل مع إحدى الجهات الإغاثية.

توضح ريم: "طبيعة عملي هي مساعدة الناس المكلومين في الحصول على احتياجاتهم من غذاء وماء وملابس، ودوري أن أنقل صوتهم للعالم". وتؤكد أن هذه التجربة طورت من مهاراتها العملية، ومنحتها خبرات إنسانية عميقة.

وعن التحديات الاقتصادية، تقول: "صرنا نعيش وفق مبدأ الأولويات، نختار الأهم فقط، ليس لأن احتياجاتنا قليلة، بل لأننا اضطررنا للتخلي عن الكثير". ورغم ذلك، ترى ريم أن التوفيق بين العمل والدراسة لم يكن صعبًا عليها، مضيفة: "أنا أحب أن أعمل أكثر من شيء في نفس الوقت، وهذا ما يساعدني على الاستمرار".

ما يدفع ريم للاستمرار هو إيمانها بحقها في حياة أفضل، وتقول: "أنا أستحق أن أعيش بشكل أفضل، لذلك أفعل كل ما بوسعي لأحقق ذلك لي ولعائلتي". وتوجه رسالة إلى شباب غزة: "لا تتركوا الظروف تتحكم بكم، لا تتخلوا عن أحلامكم بسهولة، افعلوا أي شيء، حتى لو كان بسيطًا، لتغيير واقعكم".

وفي هذا السياق، يؤكد عبد العزيز العفيفي، مدير إحدى الجمعيات التركية التي تقدم مساعدات للنازحين في قطاع غزة، أن إشراك هيا وريم في العمل الإنساني لم يكن مجرد خطوة عادية، بل كان له أثر ملموس في تعزيز جسور الثقة والتواصل.

وفي حديث لوكالة "وفا"، قال العفيفي: "أعطينا الفرصة للطالبتين هيا وريم للحديث باللغة التركية عن المساعدات التي تقدمها الجمعية، وذلك بهدف تعزيز الثقة بين المؤسسة الداعمة والشعب الفلسطيني، وقد كان لذلك تأثير كبير في زيادة تعاطف الشعب التركي".

 

وأضاف: "وجود أصوات من داخل غزة تتحدث بلغات مختلفة، وتنقل الصورة الحقيقية للمعاناة، يسهم في بناء مصداقية أكبر أمام المتبرعين والمؤسسات الداعمة، وقد لاحظنا زيادة في التفاعل والدعم نتيجة لذلك".

وأشار إلى أن "هيا وريم لعبتا دورًا مهمًا في نقل معاناة الشعب الفلسطيني، ليس فقط بالكلمات، بل من خلال مشاركتهما الفعلية في العمل الإغاثي، وهو ما يعكس صورة حقيقية عن صمود الشباب الفلسطيني".

وفي سياق الواقع الاقتصادي، وبحسب مصادر فلسطينية وأممية، ساهمت الحرب في زيادة معدلات البطالة لتصل إلى نحو 80%، وارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة قاربت 100%، مع انتشار الفقر المدقع وظاهرة عمالة الأطفال بشكل كبير في ظل توقف العملية التعليمية، واعتماد معظم سكان القطاع على المساعدات الإنسانية.

كما انهارت المنظومة الاقتصادية بشكل شبه كامل، وشهد الاقتصاد الفلسطيني انكماشًا حادًا، حيث انخفض الناتج المحلي بنسبة تُقدّر بـ86%، ما انعكس بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية للمواطنين، وفاقم الأعباء على محدودي ومعدومي الدخل.

وتزامن ذلك مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، إذ تجاوزت نسبة الارتفاع في بعض السلع 300%، في ظل ضعف القدرة الشرائية، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، ودفع معظم الأسر في قطاع غزة إلى تركيز إنفاقها على الاحتياجات الأساسية فقط.

في خضم هذا الواقع المعقد، لا تبدو قصتا هيا وريم مجرد حكايتين فرديتين، بل هما مرآة لجيل كامل يرفض الانكسار، ويصرّ على الحياة، وعلى أن يكون له صوت، حتى لو خرج من تحت خيمة، أو عبر شاشة هاتف بالكاد تجد فيه إشارة. هما قصتان تختصران غزة اليوم: ألمٌ لا ينتهي، وأملٌ لا ينكسر.