تاريخ عصر الزيتون (الحلقة 8)
زيتونيات- فياض فياض

تسلسل أدوات حفظ الزيت عبر العصور.. من خزانات "عكا وحيفا" الحجرية إلى ثورة النيتروجين وبنك الزيت
بعد أن أبحرنا في الحلقات السابقة عبر التطور الميكانيكي لآلات طحن وعصر ثمار الزيتون، نصل اليوم إلى محطة لا تقل أهمية هندسية وكيميائية عن عملية الاستخلاص ذاتها؛ وهي محطة "حفظ وصيانة جودة الزيت". فالزيت المستخلص يظل مادة حيوية حساسة تتأثر بشكل مباشر بطبيعة الأواني والظروف التي يُخزن فيها. ومن هنا، خاض الإنسان عبر التاريخ رحلة طويلة لحماية هذا "الذهب الأخضر" من أعدائه الثلاثة: الأكسجين، الضوء، والحرارة المرتفعة، وهي رحلة تمتد عبر القرون وفق تسلسل زمني فلسطيني ومتوسطي مبهر.
1 - البدايات الأولى: الخزانات الحجرية العملاقة قبل آلاف السنين، بدأت رحلة التخزين من شمال فلسطين؛ حيث كشفت التنقيبات الأثرية في مناطق حيفا وعكا عن وجود خزانات صخرية وحجرية ضخمة منحوتة بدقة تصل سعتها إلى 6 أطنان. كانت هذه الخزانات الحجرية تمثل المستودعات السيادية الأولى في التاريخ لحفظ الزيت، مستفيدة من برودة الصخور الطبيعية وعزلها للحرارة لضمان بقاء كميات الزيت الهائلة صالحة للاستهلاك والتجارة عبر البحار.
2 - العصر التراثي الريفي: فخار "الجرة" و"البطة" والآبار الأرضية
مع تطور المجتمعات، انتقل الفلاح الفلسطيني إلى الأواني الفخارية المصنوعة من الطين المحروق، وهنا يجب أن ندقق هندسياً وميدانياً في المسميات والمقاييس؛ فبينما كان "الزير" مخصصاً لتصفية وحفظ المياه، كانت "البطة" و"الجرة" هما العبوتان الرسميتان للزيت في فلسطين.
الحسبة التراثية الدقيقة تخبرنا أن "البطة" تعادل جرة ونصف الجرة، في حين أن "الجرة" تعادل تنكة ونصف التنكة. هذا التصميم الفخاري المحكم كان يحمي الزيت كيميائياً، ولكنه كان يتكامل مع نظام "الآبار الأرضية"؛ حيث كان الزيت يُخزن في آبار محفورة ومطينة تحت بيوت الحجر القديمة (العقد)، لضمان بيئة مظلمة وباردة وثابتة الحرارة طوال فصول العام.
3 - عصر المعادن والبراميل الحديدية: "أبو العجال" والتّنك
مع دخول العصر الصناعي وظهور المعادن، بدأت مرحلة جديدة اعتمدت على البراميل الحديدية كوسيلة للتخزين والنقل التجاري الواسع؛ فظهر البرميل العادي بسعة 200 لتر، وظهر برميل "ابو العجال" الضخم بسعة 330 لترا. وفي محطة فارقة من تاريخنا الاقتصادي والزراعي في خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً في عام 1955، تم افتتاح مصنع تنك نابلس الشهير. هذا الحدث شكّل قفزة ميكانيكية نوعية؛ حيث أصبحت "التنكة القياسية" المصنوعة من الصفيح المجلفن والمطلي بالقصدير متوفرة في متناول أيدي المزارعين والتجار، ما سهّل عمليات البيع والشراء الداخلي والخارجي وحجب الضوء تماماً عن الزيت.
4 - الثورة العلمية الحديثة: الستانلس ستيل وحقن النيتروجين
في عصرنا الحالي، وتحديداً في كبرى مصانع التعبئة ومجمعات التخزين العالمية، تم التوصل إلى "المعادلة الذهبية المستدامة" لحفظ الجودة؛ وهي الاعتماد المطلق على خزانات الفولاذ المقاوم للصدأ (Stainless Steel من الدرجة 316) الخامل كيميائياً، والذي يمنع تماماً تفاعل أحماض الزيت مع الحاوية. ولم تتوقف الهندسة الحديثة عند جدار المعدن، بل عالجت مشكلة الأكسجين عبر "أنظمة الضخ تحت غاز النيتروجين الخامل"، حيث يتم حقن النيتروجين ليحل محل الهواء في أعلى الخزان، ما يعدم الأكسجين ويمنع الأكسدة المبكرة والتزنخ.
الخلاصة: من الخزان الحجري إلى الطموح بـــ"بنك الزيت الفلسطيني"
إن استعراض هذا التسلسل التاريخي الهائل -من خزان الـ 6 أطنان الحجري القديم وصولاً لخزانات الستانلس ستيل والنيتروجين الحديثة- يضعنا أمام الحقيقة التخطيطية الفاصلة التي ننادي بها دائماً في قسم أبحاث الزيتون؛ فالاستيعاب التكنولوجي الحديث وإدارة الفوائض السنوية بين سنوات الشح والوفرة لا يمكن نجاحه فردياً. إن القيمة المضافة لذهبنا الأخضر وحمايته من الأكسدة والتقلبات تتطلب الانتقال إلى المحطة التاريخية القادمة الحتمية: وهي تأسيس "بنك الزيت الفلسطيني" السيادي المتطور، ليكون الأمانة التكنولوجية التي تحفظ إرث الأجداد وتقود اقتصاد المستقبل.
مواضيع ذات صلة
تاريخ عصر الزيتون (الحلقة 8)
انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.. انطلاقة ديمقراطية تاريخية
تاريخ عصر الزيتون
الاستيطان يرتدّ على نتنياهو.. حين يتحول الضغط الدولي إلى أزمة داخلية في إسرائيل
من "عصابات المسارح" إلى "جيوش فيسبوك"
تاريخ عصر الزيتون: صراع الجبابرة الهندسي.. التكنولوجيا الألمانية في مواجهة العبقرية الإيطالية والخارطة الدولية للمعاصر – (الحلقة 6)
"طوفانهم" الصفر الكبير!