الجغرافيات..!
تغريدة الصباح - حسن حميد

دائماً،
وكلما زرت بلداً، والتقيت بأدبائه وكتّابه، كنت أسأل عن أمرين اثنين، أولهما: ما هي المعوقات التي تحول دون تجلي التجارب الأدبية الجديدة، وثانيهما: ما هي أحلام الكتّاب في أيامنا الراهنة، وعلى ماذا يراهنون؟
ومن المؤسف أنني سمعت إجابات متشابهة ومتماثلة، وكلها تشكو، في معظم البلدان التي زرتها، سواء أكانت عربية أو أجنبية، وكأنّ النصوص تنمو وتعيش في جغرافية أدبية واحدة، وكأن المعوقات التي تحول دون ظهور تجارب أدبية خلابة، مدهشة، أو على الأقل لافتة للانتباه، نابعة من جغرافية واحدة أيضاً.
ولعل من أبرز المعوقات، وهي كثيرة، ثلاثة أمور، أبداها أن أصحاب التجارب الكبيرة، أعني أصحاب الشهرة يعيشون في عزلة، فهم لا يخالطون أحداً من الأجيال الأدبية الطالعة، إلا على نحو ضيق جداً، وهم لا يشاركون في نشاطات جماهيرية، ولا يكتبون في المنابر المتاحة أمام الكتاب والأدباء إلا على نحو نادر، وموسمي، وهم لا يسألون عن كاتب طالع، صاحب كتاب أو أكثر، وهم مهمومون بالبحث عن دور نشر، لها مواصفات لديهم، كي ينشروا مخطوطاتهم، وغالباً ما تكون هذه الدور الناشرة قريبة من مراكز القوة الثقافية التي تتحكم بمسارات النشر، والشهرة، والكتابات النقدية اللاحقة على فاعلية النشر، والتقريظ المفرط والمقصود، وهو على صور ووجوه متعددة، وثاني الأمور الثلاثة، هو أن الأجيال الأدبية الطالعة، وأعمار تجاربها يكاد يتجاوز العقود الثلاثة، أي من كان عمر تجربته الأدبية ثلاثين سنة وأزيد، يعيشون في عالم ثقافي سمته الأولى الفوضى، فمساراته يشوبها الارتباك والاضطراب واللامبالاة، فلا منابر، ولا مؤسسات، ولا صحف، ولا مجلات.. حريصة على الرعاية، ولا خطوط بيانية تبدي مستويات التجربة الإبداعية لأي أديب أو كاتب، تقدماً أو تراجعاً، أو مراوحة، أو قل غياب الخطوط البيانية التي تبدي الأفق الذي تمضي إليه هذه التجربة الإبداعية، وبذلك يغيب التقييم، بغياب النقد الأدبي الموضوعي، وتقل الفاعلية النقدية الوازنة التي يتطلع إليها الشاعر أو القاص أو الروائي، كي تلتفت إلى ما نشره من كتب، أو ما نشره من نصوص! وقد رافق هذه السلوكية الثقافية، ما عمل عليه الإعلام الثقافي الذي نادى بأنّ التعويل على شهرة كاتب أو أديب في الأيام الراهنة يتمثل بحضوره في منابر التواصل الاجتماعي، فردياً وجماعياً، أي بنشر بعض نصوصه، وأخباره الثقافية والأدبية على الحسابات الخاصة به على التواصل الاجتماعي، وعمر هذا التعويل بات طويلاً، وهو عمر غير مجدٍ في تسويق الإبداع الحقيقي، لأنه حالة ثقافية مصابة بداء الاستسقاء، وقاصرة عن التأثير، وقيمتها غير قابلة للقياس، لا يمكن تقديرها، بسبب وقتها اللحظي، والسريع جداً، ولأن طيها جلي بالمراكمة، بل إن موتها محتوم بعد أن يطوي اليوم ساعاته، وبذلك فإن الكاتب الطالع، وقد بات عمر تجربته عقداً من السنوات أو عقدين، أو ثلاثة عقود، لا يدري، أو يعرف، أو يدرك، أين هي أهميته بين الكتّاب والمبدعين الطالعين في الجغرافية الواحدة المحددة في بلد محدد، أي في الجغرافية التي يتحرك فوق أرضها؛ هذا ناهيك عن ما يحيط بهذا النشر اليومي أو الدوري على حسابات التواصل الاجتماعي، من آثار سلبية ومنها المحاباة، وعدم المصداقية، ومقتضيات ( الواجب)، ولوثة المرور البرقي التي تكتفي بقول كلمات أو جملة مكررة، باتت لا تعني شيئاً، كأن يكتب المعلق على النص المنشور إلكترونياً: دمت، كل التقدير، بوركت.. إلخ؛ هذا كلام مجاملة لا شيء فيه، ولا يحتوي على قيمة أو تحفيز لصاحب النص من أجل مضايفات جديدة.
ثالث الأمور المعوقة لبيان دروب الإبداع، ومحطاته، وآفاق انتشاره، يتجلى بأنّ الكتّاب والمبدعين ارتضوا بالحضور والانتشار والمعروفية داخل جغرافية صغيرة، ضيقة، ودائرية، مثل دائرة الحي، أو البلدة، أو المدينة، أو الدولة، وللأسف فإن هؤلاء الكتاب والمبدعين قللوا من حماستهم كي يكونوا معروفين في جغرافيات أكبر، وأكثر سعة، ومنها انتقال الكتب، والنصوص من اللغة العربية إلى اللغات العالمية الأخرى، واكتفوا راضين بأن يكونوا معروفين فقط في دوائر خبروها وعرفوها، والأثر السيئ الذي تبديه هذه الذهنية، هو أن من يعلقون على النص المنشور على منابر التواصل الاجتماعي، في هذا اليوم مثلاً، سيظلون هم هم حين يعلقون على نص جديد للكاتب نفسه في اليوم الموالي، وسيظلون هم هم في كتابة العبارات، والكلمات نفسها، وهذا يشير، وبكل ألم، إلى أن الطرفين، الكاتب والمبدع من جهة، والمعلقين على النصوص من جهة أخرى، رضيا بالدور والموقع، ورتابة الحالة وسكونيتها، والخاسر الأكبر هنا هو الإبداع، لأنه جاء على عجل، ليقول، نيابة عن الكاتب والمبدع، ها أنذا! والخاسر الأكبر هنا أيضاً هو من يدعي القدرة على النقد بقوله: دمت، وعشت، وكل التقدير، ودام الحضور!
هذه معوقات ثلاثة، باتت قوية الفعالية في الإضرار بالإبداع، والكتابة، وسيضاف إليها أمر رابع، أجده مهماً أيضاً، وهو أنّ غايات معظم الكتابات، وهي الإبداع والمضايفة، ما عادت اليوم سوى كم، أي بلا نوعية، كما كانت عليه أيام قوة الإبداع، والأدب، والثقافة، وأنّ طموحات معظم الكتّاب والمبدعين باتت ذات سقوف دانية، تطالها الأيدي، بعدما كانت ذات سقوف لا تلحق بها الأبصار.
مرة قابلت اثنين من الكتاب المشاهير عالميا، أحدهما كان آلان روب غرييه(1922-2008)، التقيته في ملتقى أدبي كبير، قلت له: أنت معروف لدينا باللغة العربية، وكتاباتك مترجمة على نحو جيد، قال: لن أسأل عن حقوقي المادية، ولكن أود أن أسأل عن حقوقي المعنوية، ترى كيف استقبلتم مؤلفاتي، وهل رضيتم عنها؟ قلت له: أنت تكتب عن أمور تخصك، وقد أهمتك، ونحن نراها تفاصيل حياتية صغيرة أمام قضايا مثل الحرية، والظلم، والقوة العمياء. قال: صحيح، لكن مع مرور الوقت، ستعرفون أن أهم الكتابات وأجملها هي الكتابات التي تدخل إلى غرف الروح لتبدي لنا أسرارها! قلت: وهل صحيح انك توقفت عن الكتابة؟ قال: الانهار، وهي أنهار، تجف!
والكاتب الثاني الذي قابلته، كان عزيز نيسن (1915-1995) في ملتقى أدبي كبير أيضاً، قلت له، كما قلت للكاتب الفرنسي غرييه، أنت معروف لدينا، وكتبك مترجمة بكثرة، فقال: كتبي منتشرة، ولا أحد يدفع حقوقي كمؤلف، وأنا أشرف على رعاية أيتام، والرعاية بحاجة إلى أموال، قلت: الشهرة، وانتشارك يكفيان! قال: لا، الإنسان روح وجسد، ولا بدّ لنا من أن نرضيهما معاً!
أجل، إنّ أمثال هؤلاء من الأدباء الذين عاشوا أكثر من ثمانين سنة مع الكتب، والأفكار، والحبر، والنشر، والجوائز، والترجمة.. ما زالوا يسألون عن موقع كتاباتهم، وما تلاقيه من استقبال، وتعاطف.. هؤلاء هم المرآة التي ترينا جغرافيات أدبية أوسع، وطموحات أعلى، ولا بدّ لكتاباتنا وإبداعاتنا من الوصول إليها، والتعالق معها، ليس من أجل الشهرة، بل من أجل المثاقفة والمناددة المساعدتين لنا على تذوق طعوم الجمال!
Hasanhamid5656@gmail.com