كأس العالم.. تأجيج العواطف جزء من التسويق
باسم برهوم

غالبا ما أصف العواطف المتأججة والجياشة التي تصاحب مونديال كأس العالم بشعلة عود ثقاب سرعان ما تنطفئ، وهذه ميزة إيجابية، لأن الوضع لو كان غير ذلك لتسببت مباريات كرة القدم بحروب لا تنتهي بين الشعوب والدول.
والجميل بالأمر هو تفاعل كافة الشعوب سواء كانت لها فرق أم لا. وعلى هامش المباريات تخاض حروب وتجري اشتباكات وتصاغ تحالفات وتحل أخرى بسبب هذه اللعبة السحرية التي اسمها كرة القدم، وما إن ينتهي المونديال حتى يتوقف كل شيء ويدخل الجميع في مرحلة هدنة طويلة.
الأمور اختلفت كثيرا مذ كنت شابا يافعا، إبان الحرب الباردة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، عندما كان العالم منقسما بين معسكرين، أحدهما رأسمالي وآخر اشتراكي، كان المونديال ساحة صراع حقيقية بينهما، وكانت الشعوب بدورها تنقسم وكل طرف يدعم الفرق المنتمية لمعسكره، في حينه كانت الدول الاشتراكية تمنع احتراف اللاعبين، بينما فرق الدول الغربية الرأسمالية كان لاعبوها أغلبهم محترفين في أندية عالمية.
مسألة الاحتراف كانت هي نقطة الجدل بين المعسكرين المتصارعين، وفي الأوساط الرياضية، وكان النقاش يدور حول ما إذا كانت الرياضة من أجل الرياضة، أو أنها سلعة تباع وتشترى للحصول على الثروة، كما يريد لها العالم الرأسمالي أن تكون.
واليوم مع اختفاء المعسكر الاشتراكي، يبقى المال هو الهدف، وهو من يتحكم بكل شيء، وتحولت الرياضة إلى سلعة لتحقيق الربح.
تأجيج العواطف هو نافذة التسويق الرأسمالي الأهم والأذكى، والاشتباكات الجانبية على مواقع التواصل اليوم هي ضرورة لمزيد من التسويق، وإلا كيف يمكن إقناع الزبائن مرة تلو الأخرى، وجيلا بعد جيل أن يتابعوا بحماس ويدفعوا من مالهم الكثير، والمستفيدون في العادة هم أنفسهم، ويضاف لهم في كل مرة أطراف جدد مختلفون.
أما النجوم، نجوم كرة القدم، أمثال ميسي ورونالدو والعشرات أمثالهم هم أقل الأثرياء ثروة في هذه الرواية، والأمر ينطبق على المدربين العظام، كل هؤلاء هم السلعة، أما أصحاب الأندية والفيفا فهم الملوك.
نعود للعبة مصر والأرجنتين، ومن دون أن تتحكم فينا فكرة المؤامرة، وإنما نفكر بمنطق "البزنس" الذي تسير على أساسه الأمور، فإما أن نقبل به ونتابع ونتحمس وندفع المال سواء في الملعب أو ثمن اشتراك لمشاهدة المباريات في المنزل، سلسلة لا نهاية لها من الدفع مقابل المتعة والحماس.
مسألة التحكيم بالضرورة أن تبقى في موقع معقول، وإلا لأصبح هيكل المال الضخم في خطر. ما يحدث أحيانا يتم وضعه في خانة أخطاء تحكيمية وهذا مفهوم مطاط يمكن أن تفسر من خلاله سياسات.
الجميع يدفع المال مقابل التشويق والحماسة، تماما كما تذهب لدار السينما وتدفع ثمن تذكرة لمشاهدة فيلم حركة (Action)، ونحن الفلسطينيون وكثيرون غيرنا، بحاجة للخروج من إحباطاتنا العامة والخاصة، بحاجة إلى انتصار، والأهم بحاجة لروح التضامن ولو عبر كرة القدم.
الشعب الفلسطيني يطير كالفراشات من مباراة إلى أخرى بحثا عن ملاذ قومي يشعره بوجوده بين المجموعة لأنه محاصر بالاحتلال. إنها مسألة تعويض لشيء يفتقده، فهو أكثر المتحمسين لأي نصر يحققه أي فريق عربي، ويحزن لخسارتهم، فالمسألة في نهاية الأمر حاجة عاطفية، ويضاف إليها في الحالة الفلسطينية بأنه تمسك بالهوية القومية التي لا تزال من وجهة نظره هي الملاذ.
جمهور كرة القدم في كل العالم، مناصرو الأندية والفرق، يتركون أنفسهم للعاطفة، للحماسة والغريزة أحيانا. وعندما يتم الإفراط بالغريزة تتحول إلى عنف، وهو أمر مرعب، واليوم نلاحظ حجم العنف على صفحات التواصل الاجتماعي.. دعونا نهدأ قليلا حتى ينطفئ عود الثقاب وندخل في الهدنة.
مواضيع ذات صلة