عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 14 تموز 2026

الاحتلال.. فن افساد الحياة

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في نابلس، يتفنن الاحتلال في سرقة نهار المدينة، تقتحم آلياته المكان عند العاشرة صباحا، فتتوقف عقارب الحياة من تلقاء نفسها، تغلق المتاجر أبوابها، تتراجع السيارات إلى الأزقة، يلغي الزبائن مواعيدهم، ويعود القادمون من القرى من حيث أتوا، كأن المدينة رفعت لافتة غير مرئية كتب عليها: "اليوم.. مؤجل".

إنه احتلال يتقن فن إفساد الحياة، يدخل بخطوات ثقيلة، يتجول بين المحال، وقد يقف أمام صينية كنافة نابلسية داخل محل شهير بالحلويات الشرقية، بينما المدينة كلها تقف على أطراف خوفها، لا تعرف إن كان هذا النهار سيكتمل أم سيكتب في دفاتر الخسائر.

في نابلس ليس كل الخراب يقاس بعدد المصابين أو الشهداء أو الرصاصات التي أطلقت .. أحيانا يكفي أن يفسد عشرات من جنود الاحتلال صباح مدينة كاملة التي تستيقظ في كثير من الأيام على خبر ينتشر بسرعة البرق: "الجيش يقتحم المدينة". فجأة، يتغير كل شيء، الشوارع التي كانت تتزين بالمارة تصبح خاوية، المحال التي فتحت أبوابها للحياة تغلقها خوفا، والرزق الذي خرج المواطنون يبحثون عنه يعود معهم إلى البيوت خالي الوفاض.

كأن الاحتلال لم يعد يطارد الفلسطيني في بيته فقط، بل صار يطارده في يومه، وفي رزقه، وفي حقه الطبيعي بأن يعيش صباحا عاديا.

تجار نابلس لا يرون في عمليات الاقتحام النهارية المتكررة سوى يد تمتد إلى ساعة المدينة، فتوقفها عند لحظة واحدة، الخوف،ـ عندها، تتوقف التجارة عن التنفس، وتغلق الأبواب نفسها بنفسها، ويصبح الرزق مؤجلا إلى إشعار آخر.

جنود الاحتلال لا يأتون دائما ليعتقلوا أحدا، باتوا يأتون ليتجولوا، يأكلون الكنافة، يلتقطون نظرات المواطنين المرتبكة، ثم يغادرون، بعد أن يكونوا قد تركوا خلفهم مدينة كاملة تبحث عن نهار ضاع منها.

الصحفي ماجد أبو عرب لخص هذا المشهد بكلمات موجزة كتبها على صفحته في فيسبوك": "الاقتحامات المتكررة لمدينة نابلس تتسبب بشلل الحركة التجارية، وتصيب الاقتصاد في مقتل، فوق الدمار الاقتصادي الذي يعاني منه التاجر والمواطن".

وربما تكمن قسوة المشهد في أن هذه الجملة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.

ففي مدينة تعتمد على التجارة، وعلى آلاف المتسوقين القادمين يوميا من المحافظات والقرى المجاورة، يصبح أي انقطاع في الحركة الاقتصادية نزيفا مباشرا.

الأسواق لا تعيش على أصحابها وحدهم، إنها تعيش على الذين يقصدونها، وحين يخاف الناس من الوصول، تموت الأسواق واقفة.

تستيقظ نابلس كل صباح وهي تحاول أن تقنع نفسها بأن هذا اليوم قد يكون مختلفا.

يقود بائع الخضار عربته، ويصف صاحب المخبز أرغفة الخبز الساخنة، ويعيد صاحب محل الألبسة ترتيب الواجهات الزجاجية، بينما يراقب صاحب محل الكنافة الصينية النحاسية التي ورثها عن أبيه، كمن يطمئن على قلب المدينة قبل أن يطمئن على رزقه.

لكن المدينة التي تتقن صناعة البدايات، لا تملك رفاهية إكمال النهار.

يكفي أن تظهر أولى آليات الاحتلال العسكرية عند أحد المداخل، أو تنتشر صورة لجنود يسيرون في السوق، حتى يتحول الصباح إلى يوم مؤجل.

اللافت أن هذه الاقتحامات لا تشبه الصورة التقليدية للاجتياحات العسكرية، لا أصوات انفجارات في كثير من الأحيان. بل جنود يتجولون بين الناس بأسلحتهم الكاملة، يدخلون الأسواق، يلتقطون الصور، يشترون الحلوى، وربما يسألون عن الأسعار.

أمام محله في السوق، يقف محمد حافظ وقد انخفضت مبيعاته إلى أقل من النصف خلال الأشهر الأخيرة.

يقول وهو يراقب شارعا خلا من المارة فجأة "حين أسمع أن جيش الاحتلال اقتحم المدينة، لا أفكر إن كان سيصل إلى هنا أم لا، أفكر فقط كم ساعة سنخسر اليوم."

يصمت قليلا ثم يضيف: "الزبون القادم من طولكرم أو جنين أو قلقيلية لن يخاطر بالدخول،  حتى أبناء القرى المحيطة يعودون أدراجهم. وفي النهاية نبقى نحن ننظر إلى البضاعة وكأنها تنتظر زبائن لن يأتوا".

وفي محل للأحذية، يقول صدقي عامر: الخسارة ليست في يوم واحد، الخسارة تتراكم، حين تتكرر الاقتحامات عدة مرات في الأسبوع، يصبح الأسبوع كله موسم ركود. مضيفا "لدينا التزامات، شيكات، إيجارات، رواتب، كهرباء، ضرائب، ويعلم الاحتلال أنه يريد ضرب اقتصاد نابلس بمثل هذه الإجراءات".