عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 11 تموز 2026

نحو تحديث نظرية الأمن القومي الفلسطيني: إدماج استراتيجيات مواجهة الفصل العنصري في العقيدة الأمنية

د. رمزي عودة

الجزء الأول: لماذا لم تعد العقيدة الأمنية التقليدية كافية؟

ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن التحولات التي شهدها الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي خلال العقد الأخير لم تقتصر على تغير أدوات الاحتلال، وإنما امتدت إلى تغير طبيعة التهديد ذاته، بحيث أصبح أكثر تعقيدا وبنيوية. فإذا كانت العقيدة الأمنية الفلسطينية قد تشكلت تاريخيا في ظل مفهوم الاحتلال بوصفه التهديد الرئيسي، فإن تطور هذا التهديد ليشمل منظومة مركبة تجمع بين الاحتلال والفصل العنصري يفرض إعادة النظر في نظرية الأمن القومي الفلسطيني، وتطوير العقيدة الأمنية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الراهنة.

ومن هنا يطرح المقال السؤال المركزي الآتي: هل ما زالت العقيدة الأمنية الفلسطينية، التي تأسست في سياق مواجهة الاحتلال، قادرة على التعامل مع طبيعة التهديدات الحالية؟ أم أن التحولات البنيوية التي أفرزها نظام الفصل العنصري تستوجب تحديث نظرية الأمن القومي الفلسطيني وإعادة صياغة أدوات المواجهة؟

يعد مفهوم الأمن القومي من المفاهيم المركزية في دراسات العلاقات الدولية، وقد تطور من كونه مفهوما عسكريا ضيقا يركز على حماية الدولة من التهديدات الخارجية، إلى مفهوم أكثر شمولا يتضمن الأبعاد السياسية، والاقتصادية، والقانونية، والإنسانية، والمجتمعية، والمعلوماتية. وفي السياق الفلسطيني، يكتسب هذا المفهوم خصوصية مركبة، نظرا لارتباطه بطبيعة الاحتلال الإسرائيلي وممارسته، الذي لم يعد يفهم فقط بوصفه صراعا على السيادة، بل بوصفه نظاما متعدد الأبعاد يؤثر في الأرض والإنسان والحقوق والرواية الوطنية.

يركز المفهوم التقليدي للأمن القومي على حماية الدولة، والردع العسكري، وصون السيادة الإقليمية. أما المفهوم الحديث للأمن فقد توسع ليشمل الأمن الإنساني، والأمن الاقتصادي، والأمن القانوني، والأمن المجتمعي، والأمن المعلوماتي. وقد سمح هذا التطور بإعادة التفكير في طبيعة التهديدات غير العسكرية، وفي الحالة الفلسطينية تحديدا، فإن مفهوم الأمن يتجاوز حماية الحدود ليشمل حماية الإنسان، والأرض، والهوية الوطنية، والقدرة على الصمود.

في الواقع، تشكلت النظرية الأمنية الفلسطينية التقليدية حول ثلاثة مرتكزات رئيسية: إنهاء الاحتلال، وتحقيق الاستقلال السياسي، وبناء الدولة الوطنية. غير أن هذا الإطار انطلق ضمنيا من تصور يعتبر أن التهديد الأساسي هو فقط تهديد سيادي وأمني ناتج عن الاحتلال.

إلا أن التحولات السياسية والديموغرافية والجغرافية خلال العقد الأخير تشير إلى أن طبيعة التهديد أصبحت أكثر تعقيدا، ولم تعد تقتصر على الاحتلال بوصفه سيطرة عسكرية على أرض محتلة، بل أصبحت تشمل نظاما بنيويا يقوم على مجموعة من السياسات والممارسات التي تتداخل فيها السيطرة العسكرية مع الفصل العنصري. ويقصد هنا بالنظام البنيوي منظومة السياسات والمؤسسات والممارسات التي تجمع بين الاحتلال والفصل العنصري، بما يشكل إطارا متكاملا لإدارة السيطرة على الشعب الفلسطيني.

ويقوم هذا النظام البنيوي على تكريس نظام قانوني مزدوج، وهندسة جغرافية تقوم على تجزئة الأرض إلى كانتونات منفصلة، وفرض القيود على الحركة والعزل، والتمييز الاقتصادي، والإدارة السكانية غير المتكافئة، إلى جانب الاضطهاد والتنكيل. وقد صمم هذا النظام البنيوي من قبل دولة الاحتلال ليكون أداة لإدارة الفلسطينيين بطريقة تؤدي إلى تقويض فرص قيام حل الدولتين، وتهجير الشعب الفلسطيني، وإبادته.

ووفقا لهذا التصور، فإن نظام الفصل العنصري لا ينفصل عن الاحتلال، بل يمثل إحدى آليات تنظيمه وإدارته. ولذلك فإن التعامل مع التهديد الراهن لا يمكن أن يقتصر على الأدوات التقليدية المرتبطة بمواجهة الاحتلال العسكري، بل يتطلب تطوير رؤية أمنية شاملة تستوعب طبيعة التهديد المركب.

وانطلاقا من ذلك، فإن مواجهة الفصل العنصري تصبح جزءا من استراتيجية تعزيز الأمن القومي الفلسطيني، وليست هدفا منفصلا عن أهداف التحرر الوطني. فكلما ازدادت فعالية المواجهة القانونية والدبلوماسية والسياسية والمجتمعية لهذا النظام، تعززت قدرة الشعب الفلسطيني على حماية حقوقه وتحقيق أهدافه الوطنية.

فعلى المستوى السياسي، تتطلب هذه المواجهة تعزيز الاعتراف الدولي بالقضية الفلسطينية، وترسيخ الشرعية السياسية، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وعلى المستوى القانوني، تبرز أهمية تفعيل المساءلة الدولية، وتوثيق الانتهاكات، وملاحقتها، بما يعزز الأمن القانوني الفلسطيني.

أما على المستوى الدبلوماسي، فتتمثل الأولويات في توسيع التحالفات الدولية، وتعزيز المكانة الدولية الفلسطينية، وزيادة الضغط السياسي على إسرائيل. وعلى المستوى المجتمعي، تبرز أهمية تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني، وحماية الهوية الوطنية، والحد من آثار سياسات التمييز والعزل.وفي المجال الاقتصادي، تبرز الحاجة إلى تقليل التبعية الاقتصادية، وتعزيز القدرة على الصمود، والحد من آثار الحصار والتمييز الاقتصادي. كما يشكل المجال الإعلامي والمعرفي بعدا استراتيجيا مهما من خلال توثيق الانتهاكات، وكشف ممارسات الفصل العنصري أمام الرأي العام العالمي، وتعزيز الرواية الفلسطينية والقوة الناعمة.

وبناء على ذلك، فإن التحول في طبيعة التهديد يفرض تحولا في أدوات المواجهة. فإذا كان الاحتلال يمثل تهديدا ذا طابع سيادي، فإن الفصل العنصري يمثل تهديدا بنيويا متعدد الأبعاد، الأمر الذي يجعل من الضروري الانتقال من مفهوم الأمن التقليدي إلى مفهوم الأمن الشامل.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط كيف يمكن إنهاء الاحتلال، وإنما كيف يمكن تطوير نظرية أمن قومي فلسطيني قادرة على التعامل مع منظومة مركبة تجمع بين الاحتلال والفصل العنصري، وتحويل مواجهة هذا النظام إلى جزء من استراتيجية وطنية شاملة لتحقيق الحرية والاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية.