منصات التواصل الاجتماعي ليست أرشيفا ً للحرب فقط
مريم شومان

منذ السابع من أكتوبر تبدلت أولويات العالم الإعلامية، وتغيرت طبيعة الخطاب الرقمي بصورة واضحة حتى بدا وكأن القضية الفلسطينية أُعيد اختزالها في مشاهد الحرب المباشرة وحدها، بينما تراجعت قضايا أخرى أكثر خطورة واستدامة إلى الهامش رغم أنها تشكل جوهر المشروع الإسرائيلي القائم على فرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية، خصوصا في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
وفي خضم التدفق الهائل للصور والمقاطع والأخبار العاجلة والمحتوى السريع تحولت منصات التواصل الاجتماعي - في كثير من الأحيان – إلى مجرد أرشيف بصري للحرب، لا إلى مساحة ضغط حقيقية قادرة على إنتاج وعي متواصل أو رواية سياسية متماسكة.
هذا التحول لا يعكس فقط تغيرا في طبيعة التفاعل الرقمي بل يكشف أيضا عن حالة اعتياد خطيرة بدأت تتسلل إلى الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي تجاه الانتهاكات اليومية التي تمارسها سلطات الاحتلال؛ الاقتحامات العسكرية، وهدم المنازل، والاعتقالات الجماعية اليومية، والتوسع الاستيطاني، وتهجير التجمعات البدوية، والاعتداء على المقدسات، وإغلاق المدن والقرى بالبوابات الحديدية والحواجز العسكرية، كلها باتت تمر أحيانا باعتبارها تفاصيل يومية لا تحظى إلا بتفاعل محدود وكأن استمرار الجريمة أفقدها قدرتها على إثارة الغضب.
في المقابل، تستثمر الحكومة الإسرائيلية هذا الانشغال العالمي بقضايا وحروب أخرى من أجل تسريع تنفيذ أخطر مشاريعها السياسية والميدانية، تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن دفن اتفاق أوسلو لم تكن مجرد خطاب سياسي عابر، بل إعلان واضح عن مرحلة جديدة تحاول فيها دولة الاحتلال تكريس واقع الضم والسيطرة الكاملة على الضفة الغربية، وإلغاء أي تصور سياسي قائم على حل الدولتين أو حتى على وجود سلطة فلسطينية ذات معنى.
في القدس المحتلة تتواصل عمليات التهويد بوتيرة متسارعة بعيدا عن الكاميرات، أحياء كاملة تواجه خطر العزل أو الهدم، والمقدسيون يعيشون تحت ضغط اقتصادي وأمني متواصل، فيما تتصاعد الاقتحامات للمسجد الأقصى ومحاولات فرض واقع ديني وسياسي جديد.
أما الخان الأحمر الذي كان قبل سنوات محور اهتمام دولي واسع فقد تحول اليوم إلى مثال شاهد على القضايا التي خرجت من دائرة الضوء رغم اقتراب خطر التهجير القسري لسكانه في إطار مشروع استيطاني يهدف إلى فصل القدس عن امتدادها الفلسطيني.
المشكلة لا تكمن فقط في تراجع التغطية الإعلامية الدولية بل أيضا في طبيعة الأداء الرقمي الفلسطيني والعربي الذي أصبح – أحيانا – أسير اللحظة الآنية ورد الفعل السريع، فالمحتوى العاطفي والمشاهد الصادمة يحققان انتشارا واسعا، لكنهما لا يبنيان بالضرورة معرفة سياسية مستدامة لدى الرأي العام العالمي.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة جدية لدور الفضاء الرقمي الفلسطيني والعربي ليس باعتباره منصة للتضامن المؤقت فقط، بل كأداة تراكمية لحماية الذاكرة الفلسطينية ومنع تحويل الجرائم اليومية إلى مشهد اعتيادي، فخطر الاعتياد لا يقل فداحة عن الجريمة نفسها؛ لأن أخطر ما تسعى إليه سلطات الاحتلال هو دفع الفلسطيني والعالم معا إلى التأقلم مع واقع القمع والاستيطان بوصفه أمرا طبيعيا أو غير قابل للتغيير.
إن مواجهة هذا الواقع لا تتطلب فقط توثيق الانتهاكات، بل إعادة إنتاج خطاب رقمي أكثر عمقا واستمرارية قادر على شرح السياق السياسي لما يحدث، و ربط الأحداث اليومية بالمشروع الإسرائيلي الأشمل، كما تتطلب توسيع دائرة التأثير نحو الرأي العام العالمي عبر محتوى احترافي يتجاوز اللغة العاطفية التقليدية، ويستند إلى الحقائق والقصص الإنسانية والبيانات القانونية بما يعيد وضع الحكومات الغربية أمام مسؤولياتها السياسية والأخلاقية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن معركة الشعب الفلسطيني لم تعد ميدانية فقط، بل أصبحت أيضا معركة وعي ورواية وتأثير، وفي زمن تتشكل فيه المواقف الدولية عبر الشاشات والمنصات الرقمية يصبح تغييب القضايا الفلسطينية أو التعامل معها بوصفها أحداثا موسمية خطرا سياسيا لا يقل عن خطورة الوقائع المفروضة على الأرض.
ولذلك، فإن حماية القضية الفلسطينية اليوم تبدأ من رفض تحويلها إلى أرشيف للحرب، وإعادتها إلى موقعها الطبيعي بوصفها قضية شعب يعيش تحت احتلال مستمر، لا مجرد خبر عاجل يتراجع مع تغير خوارزميات الاهتمام.
مواضيع ذات صلة
منصات التواصل الاجتماعي ليست أرشيفا ً للحرب فقط
اقتصاد المسافة القصيرة: كيف تعيد عمّان ورام الله تعريف الجغرافيا وهندسة الأمل؟
واقعة (بن جفير)! العنصرية كما هي
.. ساعة الحق!
لماذا تفشل الزراعة المائية داخل البيوت المحمية في فلسطين؟
قرار إسرائيل إخلاء وتدمير "سفارة" الاتحاد الأوربي في الخان الأحمر!