عشناه.. وعاش معنا!
تغريدة الصباح – حسن حميد

كم تمنيت، وأترابي من القرائين، أهل الشغف بالكتابة والإبداع والسؤال عن الكتاب وما فيه، والأدب ومعانيه، والنقد وجولاته، والشعر وسحره الحلال، والسرد وفتنته الآسرة، والمسرح وصولاته، والفنون البصرية وحالات الغيبوبة التي تولّدها مثل تيار الكهرباء..
كم تمنيت، وتمنوا في أن تكرمنا الأيام بأن نحظى بلقاء أدباء بلادنا المحتلة فلسطين، وقد ذاع صيتهم، وعلت مداميك شهرتهم، وصارت منتخبات من نصوصهم في كتبنا المدرسية، مثلما صارت بعض مؤلفاتهم المطبوعة بين أيدينا، في مخيماتنا، تتناقلها الأيدي طرباً، وتجول حولها الأسئلة على قدمين، ولتصير قراءتها دنيا من الجمال والزهو والشوق والمعاني الثقيلة.
أمدّ هذا السطر الطويل استهلالاً، لأتحدث عن سميح القاسم الذي رحل عام(2014) فملأ القلب بغصص نعيش مرارتها كلما قرأنا له، وكلما وقفنا على جانب، لا نعرفه من سيرته الباذخة، ووطنيته التي كانت، وما زالت، قلعة نحتمي بها، فنقول: ها هو، شاعرنا الجليلي العنيد، وسط المكاره الإسرائيلية، وممارسات الخواجات العنصرية، يقاوم الإسرائيلي، عدو الشمس، بشعره العالي، وسيرته النايفة، ها هو دنيا من النبل النادر، والفعل الصقيل، والجرأة المدهشة، والمعرفة الوازنة، والروح التي لا تعرف الانحناء، والوطنية التي تليق ببلاد الله الصغيرة/ فلسطين.
أنا، وأترابي قرأنا شعر سميح القاسم في المناهج الدراسية، فطربنا وفرحنا وفاخرنا به، لأنه قائم على المعرفة الموسوعية، والتاريخ الحق، واللغة المتفجرة، والصور المستلّة من البراري مرة، والمسروقة من لهب النار مرة أخرى، والمتمردة المحوّمة، كالطيور، كيما تختار بقعة أرجوانية لها، شعر حواشيه هي الصور والألوان، وروحه هي الخيال، والاشتقاق، والمجاز، ولبابته هي نداء يملأ الفضاء: فلسطين، فلسطين!
شعر سميح القاسم، جعلنا نحس برجولتنا، ونحن، في طراوة العمر، طلاب علم على مقاعد الدراسة، وجعلنا نحس بالوعي والانتماء والعشق لبلاد، هي كل الدنيا، اسمها فلسطين! ولكم تمنينا، مرات ومرات، ألا ينتهي حديث أستاذ العربية، وهو شاعر، وعاشق للشعر، من حديثه عن سميح القاسم! لقد وصفه، ورسمه، وآخاه، وماشاه، وجالسه، وساءله، وناداه، وأنصت إليه، ونحن معه، حتى صار سميح القاسم، وبكل ما قاله وعاشه هو البوصلة التي تشير إلى فلسطين الحلم، وإلى معنى الحياة التي نرجوها!
وأنا، وأترابي.. جعلنا خبر وصول أي مؤلف من مؤلفات سميح القاسم إلى المخيم حدثاً طالعاً، وخبراً مدوياً مثل زفة العروس، وحالاً بهيجة، على الجميع، أن يعيشوها، ويعرفوها، ويتمتعوا بها، ويقعوا على أسرارها، حتى لو كانوا ممن قصرت بهم الظروف، فحرموا نعمة القراءة وبهجة الدراسة، في أكبر خيمة في المخيم، سميناها المدرسة! كان وصول مؤلف من مؤلفات سميح القاسم إلى المخيم سرا من الاسرار، لكن هيهات، فقد كان أشبه برائحة القهوة التي تركض، هنا، وهناك، مثل ريح مطرودة من زقاق إلى زقاق، ومن خيمة إلى خيمة، فتمحى السرانية كلها.
كل دواوين سميح القاسم، استقبلناها بضجة جميلة، هي ضجة أرواح لها أشواقها، فساهرناها الليالي المتلوة بالليالي، وجالسناها كما لو أننا كنا في جوانب معبد لا في رواق خيمة، وقد كانت جديرة بذلك، لكن روايته (الصورة الأخيرة في الألبوم) كانت انقلاباً في حياتنا، فحين وصلت إلى المخيم، كانت مفاجأة وأكثر، لأن فيها دنيا جديدة، تتمثل في انتقال سميح القاسم من عالم الشعر إلى عالم النثر، ولكم أمّنا على قول كبيرنا الناقد: يا لجمال الشاعر حين يكتب النثر، إن كتابته تشير إلى شيء واحد، هو قوته الشعرية!
وكبرنا في حرور الأيام، وطي عرقها، وأحزانها، ودروبها الملتويات، وصرنا ممن يقرزمون الشعر، ويحاولون صعود أدراج النثر، وكبر سميح القاسم معنا ، فظل المعلم، وساحر المجاز، والعريف الأمين على ما قاله التاريخ، وناشل الصور البهية من خوابي اللغة، إلى أن قيّضت لي الأيام .. فالتقيته!
يا إلهي، أي مفاجأة، وأي غيبوبة، وأي دهشة.. تعيشها، وأنت في حضرة سميح القاسم، رجل.. كله يضيء! ليست ابتسامته وحدها، ولا حضوره وحده، ولا صوته الآتي مع الغيوم، أنه رجل يضيء حقاً، ولك أن تنبهر بهذا الضوء، ولاسيما أننا تخيلناه صغاراً، ونحن نعيش البرد حفاة في الخيمة الكبيرة/ المدرسة ، والبرد في المخيم، يصير رساماً فيدهن وجوهنا وأيدينا وأقدامنا بزرقة لون لم يحلم بها البحر.
التقيت بـ سميح القاسم في السفر، وكم هو السفر صندوق دهشة، لأنه أبدى روح سميح القاسم الجميلة، مثلما بدت لنا قصائده الجميلة، رجل لطيف، أنيس، وقور، محب، يطلب لنا القهوة، فلا يشرب من فنجانه سوى حسوات، ويطلب لنا الطعام اللذيذ، فلا يأكل إلا القليل، رجل لا يتحدث عن نفسه، وكنا نتوق إلى ذلك، بل يمطرنا بالأسئلة عن عيشنا في المنافي، عفواً في الخيام! وتدمع عيناه ، ينسى سميح القاسم نفسه، فيتلامع وجهه بدموعه! نعم، كم كان سميح القاسم معنى لم نقع عليه في الكتب، ولا في الموسيقى، أو اللوحات، أو الأناشيد، ولا حتى في هديل الحمام.
عرفته في دمشق وانفردت به للحظات فقط، لأنه كائن يضيء، لذلك.. سرعان ما يكتشف المبصرون مكانه، فيهرعون إليه، وعرفته شاعراً في ميدان من أكبر ميادين الشعر المغلقة في دمشق، وهو يقرأ الشعر، فيصير المكان كله.. مسرحاً لخيال، وأحلام، وسحر، ويصير الناس طيوراً تهمهم فلا تصير همهماتهم كلاماً، لقد جاؤوا ليروا فلسطين فيه، وكم كانوا صادقين، وكم كان هو.. صادقاً.
بلى، سميح القاسم نقش ذهبي على مسلة فلسطين، نقش مقروء.. للأبد!
Hasanhamid5656@gmail.com
مواضيع ذات صلة
عشناه.. وعاش معنا!
العقل الوطني في الانتخابات لضمان مستقبل الدولة!
مشروع E1 الاستيطاني: اختبار حقيقي للموقف الأوروبي ومستقبل حل الدولتين
قسم أبحاث الزيتون- من سؤال المزارع إلى حل الباحث: كيف يعمل القسم كمختبر وطني للاستجابة؟ (8-10)
حين يرفع المواطن جنسيته فوق الحصار
الاستيطان.. هذا السرطان القاتل للسلام
قسم أبحاث الزيتون... صمام الأمان لضمان زيادة الإنتاجية والجودة (7-10)