مشروع E1 الاستيطاني: اختبار حقيقي للموقف الأوروبي ومستقبل حل الدولتين
د. رمزي عودة

أعلنت حكومة الاحتلال الإسرائيلي البدء بإجراءات طرح مناقصة لبناء 1,234 وحدة استيطانية في منطقة E1، في خطوة تحمل تداعيات خطيرة على مستقبل الضفة الغربية، وعلى إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة ومتواصلة جغرافيا. وهذه الوحدات جزء من مخطط E1 الأوسع الذي يتضمن نحو 3,401 وحدة استيطانية.
وتكمن خطورة المشروع في موقعه وأبعاده الجغرافية والديمغرافية، إذ من شأن تنفيذه أن يعمق فصل شمال الضفة الغربية ووسطها عن جنوبها، ويصعب تحقيق التواصل الجغرافي بين المدن والبلدات الفلسطينية، كما يعزز محاصرة القدس الشرقية بالمستوطنات ويحد من إمكانات توسعها العمراني والجغرافي.
ولا تقتصر مخاطر المشروع على الجانب الجغرافي، إذ يهدد كذلك التجمعات الفلسطينية البدوية المنتشرة في منطقة E1 وتشير المعطيات المتاحة إلى أن المنطقة تضم نحو 18 تجمعا فلسطينيا بدويا يعيش فيها قرابة 3,700 فلسطيني، ما يجعل هذه التجمعات من أبرز الفئات المهددة بالتهجير القسري نتيجة تنفيذ المشروع وما يرافقه من إجراءات لإعادة تشكيل المنطقة عمرانيا وجغرافيا.
وتزداد خطورة المشروع لكون المناقصة الحالية ليست مشروعا منفصلا، وإنما مرحلة تنفيذية من مخطط E1 الأوسع، الذي يستهدف ترسيخ التواصل الجغرافي بين المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية وكتلة معاليه أدوميم. وقد يشكل المشروع، في حال استمراره، نقطة انطلاق لشريط استيطاني يمتد باتجاه معاليه أدوميم والخان الأحمر وصولا إلى البحر الميت، بما يكرس واقعا استيطانيا وجغرافيا وديمغرافيا جديدا ويجعل التراجع عنه مستقبلا أكثر صعوبة.
وبالنتيجة، فإن الخطر لا يتمثل فقط في عدد الوحدات الاستيطانية التي يجري بناؤها، بل في النتائج المترتبة على المشروع بأكمله، وفي مقدمتها تهديد التواصل الجغرافي الفلسطيني، وتعميق عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، وتهديد التجمعات البدوية بالتهجير، بما يقوض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافيا.
في الواقع، لا يمكن فصل توقيت المضي قدما في مشروع E1 عن الحسابات السياسية والانتخابية للائتلاف الحاكم في إسرائيل. فطرح مناقصة بناء 1,234 وحدة استيطانية في أغسطس/آب، مع تحديد 19 أكتوبر/تشرين الأول موعدا نهائيا لتقديم العطاءات، أي قبل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بأسبوع واحد، يكشف بوضوح عن البعد الانتخابي لهذه الخطوة.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن مشروع E1 لا يستخدم فقط باعتباره مشروعا استيطانيا لتغيير الواقع على الأرض، وإنما أيضا كورقة دعائية وانتخابية لليمين الإسرائيلي، ولا سيما لاستقطاب أصوات المستوطنين والتيار اليميني الأكثر تشددا، وإظهار حكومة اليمين باعتبارها ماضية في تنفيذ أجندتها الاستيطانية رغم الاعتراضات الدولية.
ومن جانب آخر، فإن طرح المشروع قبل الانتخابات يمنح الحكومة الإسرائيلية فرصة لتقديم نفسها أمام جمهور اليمين باعتبارها حكومة قادرة على تحويل الخطاب الاستيطاني إلى حقائق على الأرض، في وقت تشكل فيه المستوطنات وقضية ضم الأراضي وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية عناصر أساسية في الخطاب السياسي لليمين الإسرائيلي. وفي هذا السياق، فإن توقيت تنفيذ المشروع لا يبدو منفصلا عن المعركة الانتخابية الداخلية؛ فالحكومة الإسرائيلية تستخدم قضية الاستيطان لتعزيز موقفها لدى جمهور المستوطنين واليمين، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تكريس واقع جغرافي جديد في الضفة الغربية يصعب على أي حكومة لاحقة التراجع عنه.
وفي مواجهة هذه الخطوة دوليا، صدر في 20 أغسطس/آب الجاري بيان مشترك عن سبع دول هي المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وكندا والنرويج، أدانت فيه مشروع E1 ودعت الحكومة الإسرائيلية إلى التراجع عن مخططاته ووقف التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. وأكدت الدول السبع أن المشروع يهدد التواصل الإقليمي للأراضي الفلسطينية ويقوض فرص حل الدولتين.
ومما لا شك فيه أن هذا الموقف يستحق الترحيب، لأنه يعكس إدراكا متزايدا لخطورة مشروع E1 وتداعياته على مستقبل حل الدولتين. غير أن حجم التحدي الذي يفرضه استمرار التوسع الاستيطاني يجعل من المهم، من وجهة النظر الفلسطينية، أن تترافق المواقف السياسية مع خطوات عملية أكثر فاعلية، بما يسهم في حماية فرص السلام والحفاظ على إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة ومتواصلة جغرافيا.
ومن هنا، نتطلع إلى أن يواصل الاتحاد الأوروبي جهوده، وأن يخطو خطوات عملية أكثر فاعلية في مواجهة التوسع الاستيطاني، مستفيدا من الأدوات السياسية والاقتصادية المتاحة له. وفي هذا السياق، يمكن أن تكون مراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، بما في ذلك إمكانية تعليقها، أحد الخيارات التي يمكن أن تحظى بمزيد من البحث والنقاش، إذا استمر تنفيذ المشاريع الاستيطانية التي تقوض فرص حل الدولتين.
إن أهمية الموقف الأوروبي لا تكمن فقط في إصدار بيانات الرفض أو الإدانة، وإنما في قدرته على ترجمة مواقفه المعلنة بشأن الاستيطان وحل الدولتين إلى سياسات عملية قادرة على الحفاظ على فرص التسوية السياسية. ومشروع E1، في هذا السياق، يمثل اختبارا حقيقيا لمستقبل حل الدولتين ولقدرة المجتمع الدولي على منع تكريس وقائع جديدة على الأرض تجعل تحقيق هذا الحل أكثر صعوبة.
وفي نهاية المطاف، فإن التعامل مع مشروع E1 لا يتعلق بمواجهة مشروع استيطاني منفرد فحسب، وإنما بالحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافيا، وبحماية الأسس التي يمكن أن يقوم عليها حل الدولتين. ومن هنا تأتي أهمية استمرار التحرك الأوروبي والدولي بصورة فاعلة ومتوازنة للحيلولة دون ترسيخ واقع جديد يصعب تغييره مستقبلا.
مواضيع ذات صلة
مشروع E1 الاستيطاني: اختبار حقيقي للموقف الأوروبي ومستقبل حل الدولتين
قسم أبحاث الزيتون- من سؤال المزارع إلى حل الباحث: كيف يعمل القسم كمختبر وطني للاستجابة؟ (8-10)
حين يرفع المواطن جنسيته فوق الحصار
الاستيطان.. هذا السرطان القاتل للسلام
قسم أبحاث الزيتون... صمام الأمان لضمان زيادة الإنتاجية والجودة (7-10)
التحول الرقمي في البنوك الفلسطينية.. رافعة للصمود الاقتصادي
اليقظة والحذر من طعنةٍ في قلب الدولة هذه المرة !