بعد مؤتمر فتح والعودة للواقع
باسم برهوم

هذا المقال لا يجري أي تقييم لنتائج مؤتمر فتح الثامن، إنما سيناقش ما بعد المؤتمر، فالحكم على النتائج يحتاج أن نراقب لفترة قادمة عمل القيادة المنتخبة وترى كيف ستتصرف مع الواقع المعقد والصعب للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، فنصف أعضاء اللجنة المركزية هم وجوه قد نعرفها ولكن لا نعرف كيف ستتصرف، وهي في هذا الموقع الأخطر والأهم بما يتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني.
بعد انتهاء المؤتمر، وبعد أيام مرت من الترقب والإثارة والمتابعة للنتائج، نعود اليوم للواقع وما يمكن أن تقوم به القيادة الجديدة لفتح لتتغلب على مصاعب هذا الواقع، وإن كان بإمكانها أن تحدث فارقا وتحولا، بات ملحا للخروج من المأزق الراهن.
الواقع يمكن تقسيمه إلى المحاور التالية:
أولا: استنهاض وإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية، وهذا يتطلب استنهاض فتح أولا. فالمؤتمر شكل محطة مهمة، ولكن بالضرورة تحويل فتح إلى خلية عمل كبرى ستنهض بكوادرها وأعضائها، والاهتمام ببناء الكادر معرفيا، وبموازاة ذلك إعادة تعريف العلاقات الوطنية، وبعض المفاهيم أبرزها مفهوم الوحدة الوطنية وشروطها، وفي مقدمتها احترام التمسك بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل، وتغليب ما هو وطني على غيره من الأجندات.
ثانيا: الوضع في قطاع غزة، المأساة الإنسانية، إعادة الإعمار، انسحاب جيش الاحتلال واستعادة القطاع للشرعية الوطنية الفلسطينية، هذا المحور وحده يحتاج إلى فريق عمل كبير، إلى مال ودعم عربي ودولي يصب في مصلحة الأهداف الوطنية في قطاع غزة.. السؤال: ما هي رؤية القيادة، وما هي خطتها بهذا الشأن؟
هناك إدراك بمدى صعوبة الأوضاع والتحرك، ولكن ما يريد أن يشعر به المواطن الفلسطيني هو إرادة العمل.
ثالثا: الوضع في الضفة، وهو لا يقل خطورة عن ما هو في قطاع غزة، الاستلاء المتزايد على الأرض، وتوسع الاستيطان، وإرهاب المستوطنين، وعزل القرى والمدن، وأحكام الإعدام. وقائمة كبيرة من المخاطر.. كيف سنواجه ذلك وبأي أشكال؟ هل نحن بحاجة إلى أشكال نضالية جديدة أم تنشيط للمقاومة الشعبية السلمية؟ وكيف سنتحرك على الساحة الدولية لحشد الدعم والضغط على حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل؟
رابعا: القدس والأماكن المقدسة فيها، تهويد القدس عمل يومي متصاعد، وتغيير واقع الأماكن المقدسة يتم تدريجيا وبشكل منهجي، أصبحت رؤية المستوطنين عادية في ساحات الأقصى، عزل الفلسطينيين في القدس عن الضفة، واقع صعب بدوره يحتاج إلى عمل دؤوب من أجل وقف التدهور، وتنسيق المواقف العربية بخصوص القدس.
خامسا: الوضع الاقتصادي والمعيشي المتدهور، ونسب البطالة، وهذا يشمل الضفة وغزة، فلا يمكن إنجاز أي مهمة وطنية أخرى، وتحقيق هدف الصمود بدون النجاح في مهمة تحسين ظروف حياة المواطن الفلسطيني، صحيح أن فتح ليست هي الحكومة، وأن مهمة الأخيرة تحديدا تحسين ظروف حياة الشعب الفلسطيني، عبر البحث عن بدائل محلية وخارجية لتحسين الاقتصاد.
قيادة فتح للمشروع الوطني ليست مجرد شعار، أو كلام يقال بالمناسبات، كما أن هذا المشروع أصبح بحاجة لإعادة تعريف في ظل الواقع والمتغيرات، كما لا بد من إعادة النظر في الأدوات التي تأخذنا نحو تحقيق الأهداف، لذلك كل شيء يبدأ من فتح، ومن إعادة بناء نفسها لتلائم المتغيرات، فالصيغ التي كانت صحيحة إبان الحرب الباردة، قد لا تكون صالحة.
وهناك حاجة للتأكيد أن هدف إنهاء الاحتلال الإسرائيلي هو الهدف المركزي، ولكن تحقيق هذا الهدف وكما أثبت التاريخ والتجربة لا يمكن أن يتحقق بدون الاهتمام بالإنسان، بناء الإنسان الفلسطيني بطريقة معرفية بعيدا عن التعلق بالعواطف ذات المفاعيل المؤقتة.
تعزيز الإنسان الوطني المعرفي المنسجم مع العصر وتوفير المقدرات وإمكانيات الصمود يشكلان هدفا يحظى بالأولوية. وفتح هي الأقدر على تحقيقه، وهو ما ينتظره الشعب من القيادة التي انتخبها المؤتمر الثامن للمرحلة القادمة.