بيرسيفوني..!
تغريدة الصباح- حسن حميد

ها أنذا، أتذكر أربعة من آلهة الإغريق واستدعيها، لكي أفهم ما يحدث حولنا من أمور عجيبة غريبة تخترمها أربعة أمور، وتتحكم بها هي: القوة، والمصالح، والأكاذيب، وفساد الأخلاق.
هذه الآلهة الأربعة هي (زيوس)، و(ديميتر)، و(هاديس)، و(بيرسيفوني)، وهي أيضا أبطال قصة خطف (بيرسيفوني) من العالم الأرضي إلى العالم السفلي بكل الهمجية والقسوة، والخاطف هنا هو إله العالم السفلي (هاديس) الذي فتن بجمال (بيرسيفوني)، فأرادها زوجة له، وقد طلب يدها من أبيها (زيوس) كبير الآلهة، فوافق مواقفة مشروطة بموافقة أمها (ديميتر) إلهة الخصب، وهو يعرف أن أمها لن توافق على هذا الزواج لأنها تكره (هاديس) إله العالم السفلي، وتكره عالمه، لذلك يخطف (هاديس) (بيرسيفوني) ويهبط بها إلى عالمه، عالم الأموات، بينما كانت تتنزه مع صويحباتها، وتقطف أجمل الأزهار لتملأ بها سلتها المصنوعة من أعواد شجرة الرمان، لقد انحنت (بيرسيفوني) على زهرة جميلة لتقطفها، فقلعت الزهرة من جذرها، وبدا تحت الجذر نفق معتم، فهوت قدماها بها إلى داخله، وهناك تلقفتها عربة (هاديس) التي تجرها خيول أربعة، وأخذتها إلى حيث يسكن هو في قصر رائع الجمال والهيئة، ساحر بكل ما فيه من شرفات أربع وسيعة هي أشبه بحدائق معلقة.
كانت (بيرسيفوني) تبكي وتنادي أمها وأباها طوال رحلة الخطف التي كانت طويلة وشاقة، تخللها نوم (بيرسيفوني) ويقظتها، وقد رأت خلالها أنهارا أربعة هي: نهر النسيان، ونهر الكراهية، ونهر الحزن والرثاء، ونهر النار، وسمعت (هاديس) يخيرها بأن تختار نهرا منها لتصير صورة حياتها في العالم السفلي هي صورته، فتختار (نهر الحزن والرثاء)، مع أن (هاديس) حاول أن يقنعها بأن النهر الذي تناسبها صورته هو (نهر النسيان)، أي أراد لها أن تنسى العالم الأرضي وما فيه، في المقابل كانت (ديميتر) تبكي كأم مفجوعة بفقد ابنتها، حالما عرفت خبر خطفها، وراحت تسأل الآلهة عن مصيرها، ولم تخبرها الإلهة بشيء، لذلك مضت إلى (زيوس) زوجها، وهو كبير الآلهة، وسألته عن ابنتهما (بيرسيفوني)، فأخبرها أن (هاديس) اختطفها وهي لديه الآن في العالم السفلي، وهي تعيش بسلام، وقد جعلها (هاديس) ملكة على عالمه السفلي، فأعلنت (ديميتر)عن امتناع الأرض عن إنبات القمح، والذرة، والزهور، والأعشاب، وهدد زيوس باقتحام العالم السفلي، والاحتكام إلى إجابة ابنته (بيرسيفوني) عن سؤاله إن كانت سعيدة بهذا الاختطاف ام لا؟
وقد عرف (هاديس) بما يجول في خاطر (زيوس) و(ديميتر) فما كان منه إلا أن زين ل (بيرسيفوني)، وعبر ما يمتلك من قدرة على الخديعة، أن تأكل بعض حبات الرمان، وهو يعدها بالحياة الرغيدة، ورؤية أمها وصديقاتها، والخروج إلى العالم الأرضي، فأكلت، وهي ساهية، ست حبات من الرمان، كل حبة منها كانت ترمز إلى شهر منشهور السنة، ,حين وصل تهديد (زيوس) و(ديميتر) إليه قال لهما: اسألا (بيرسيفوني) إن كانت تريد العيش معي هنا في العالم السفلي، وعندما سألاها، قالت: أريد ان أقسم حياتي بينكم مناصفة، ستة شهور أقضيها مع (هاديس) هنا في العالم السفلي، وستة شهور أقضيها معكما،يا أبي وأمي، في العالم الأرضي، عندئذ عرف(زيوس)السر، فسأل( بيرسيفوني) كم حبة رمان أكلت يا عزيزتي؟ فقالت: ست حبات! فهز رأسه، وبكت (ديميتر)، فقال: لك أن تعيشي ستة شهور، هي زمن البرود والشتاء مع (هاديس)، وستة شهور مع أمك (ديميتر) هي زمن الربيع والصيف، لأن حبات الرمان كانت ترمز إلى عدم افتكاك الزواج وأبديته في عرف الآلهة.
بلى، في ذلك الزمن، زمن الأساطير، تركت جذور المشكلة، وهي الاختطاف، واقتلاع (بيرسيفوني) من عالمها، عالم أمها وصديقاتها، وبيتها، وحقول وردها، والتلال المطلة على الأودية والينابيع، وشبابها، وعالم الحياة والجمال، وقودها مخطوفة، بالقوة والإجبار إلى عالم هو مملكة الموتى، وفيه أربعة أنهار تمثل: النسيان، والكراهية، والحزن والرثاء، والنار، وبدأت المفاوضات بين الأب والأم، وهما إلهان، والخاطف (هاديس) وهو إله أيضا على تفاصيل لا تعالج جذور المشكلة، من أجل اقتسام المكان والزمان والعاطفة والمصلحة.
اليوم، نعيش هذا العالم الأسطوري، ولكن على نحو واقعي، واقعي في كليته، فالقوة، والمصالح، والأكاذيب، وفساد الأخلاق، هي المسيطرة، وهي البادية، فلا حلول للمشكلة الجذرية، ولا اخلاق تقود إليها، ولا سلوكيات خالية من الكذب والتلفيق من أجل الوصول إلى تخوم العدالة أو مقاربتها، ولا عودة إلى تاريخيجهر بالحقيقة، ويشير إلى جذور المشكلة، وإنما تغطية المشكلة، وجذرها الجوهري بأطياف القوة والمصالح والأكاذيب وفساد الأخلاق، ولكل هذا، وبسببه، تجهر الدنيا، جهر الشمس بالضوء، أن العدالة في غياب شنيع لأنها شربت من (نهر النسيان)، وأن سلوك أهل القوة ارتوى من (نهر الكراهية) إلى حد( البقبقة)، وبقي للآخر المظلوم نهران هما: نهر الحزن والمراثي، ونهر الاكتواء بالنار الولود( الآبدة) التي لا تبقي خلفها سوى قرى من ألم ووجع ورماد، وعليه أن يختار، ويفاضل بينهما. إنها المعضلة!
Hasanhamid5656@gmail.com
مواضيع ذات صلة
حين يتغير الخطاب في الجزيرة: كيف تعيد القناة صياغة الحرب وفق الجغرافيا السياسية؟
الأم.. وطنٌ لا يُغادر، ونبضٌ لا يخفت
المعلن والمستور في خطاب نتنياهو: من المسيح إلى جنكيز خان
بيرسيفوني..!
"شكرا لكم لأنكم أتيتم إلينا"... تذكروها يا سفراء فلسطين
عندما تصبح البندقية عبئاً: هل آن أوان الواقعية السياسية؟
طمون تستحضر غزة