القراءة بوصفها إعادة اكتشاف للذات
مهيب البرغوثي

ربما لا تكون القراءة فعل دخول إلى عالم آخر، بل خروج منة إلى ما لا نعرفه بعد. الكتاب لايقرأ كما الاستعداد لرحلة ما ؛ إنها تستدرجنا ببطء حتى نجد أننا غرباء داخل بيتنا. القراءة تبدأ غالبا بفضول عابر، وسرعان ما تتحول إلى تجربة تهز الداخل كله. حين نقرأ، لا نستهلك كلمات مطبوعة فحسب، بل نعيد كتابة أنفسنا في مواجهة نص يتقاطع معنا في أماكن لا نتوقعها. حين واجه بروست طعم المادلين لم يكن يستعيد زمنا مفقودا بقرار واع، بل كان جسده نفسه منفتحا على ذاكرة لم يعرف أنه يحملها. القراءة هنا جسدانية بقدر ما هي عقلية، مواجهة لا تترك القارئ كما كان.
المرآة التي تقدمها النصوص ليست دائما مطمئنة. أحيانا تعكس ملامحنا بوضوح، وأحيانا أخرى تفضح ما لا نحب أن نراه. كل كتاب يحمل إمكانية أن يكشف عنا أكثر مما يكشف عن ذاته. في لحظة ما، نشعر أن النص لا يعكس صورة واحدة، بل صورا متعددة تتناوب على الظهور والغياب. القارئ حين يظن أنه يتحكم في المعنى يجد نفسه مشدودا إلى شبكة أوسع من الكلمات، شبكة تجعله جزءا من نص آخر يتشكل داخله.
حين أعلن بارت "موت المؤلف" كان يحرر النص من يقين نية واحدة، لكنه في الوقت نفسه كان يضع القارئ أمام عبء جديد. المعنى لم يعد محروسا، بل صار متاحا لانزلاقات وتأويلات متناقضة. منذ تلك اللحظة لم يعد النص ساحة مغلقة، بل فضاء مفتوحا للنزاع. القارئ صار شريكا لا متفرجا، لكن هذه الشراكة تعني أيضا أنه مسؤول عن فوضى المعاني التي يولدها. الحرية هنا ليست طمأنينة، بل قلق متجدد.
النقد يدخل إلى هذه الفوضى محاولا أن يمنحها شكلا. منذ أرسطو الذي بحث عن وحدة الحبكة، وحتى تودوروف الذي فتش عن بنية السرد، كانت الرغبة دائما أن يكون للنص منطق خفي يمكن الإمساك به. لكن ماذا لو لم يكن هناك منطق أصلا؟ النقد عندها يتحول إلى فعل اختراع، إلى بناء شبكة من نسج الفهم حيث لم يكن إلا التشظي. إنه ليس تفسيرا بريئا، بل كتابة ثانية تتغذى على الأولى وتدعي كشفها.
الكتابة لا تقدم لنا الشخصيات كما هي، بل كما يمكن أن تكون في أذهاننا. كل قارئ ينسج صورة مختلفة عن البطل، عن ملامحه وصوته وخطواته، حتى لو وصفه النص بالتفصيل. في المسافة بين الكلمات وعين القارئ يتشكل التخييل، كأن النص ليس ما كتب، بل ما تخيلناه نحن من خلاله. هنا تتعدد الرواية بعدد القراء، ويصير لكل شخصية أكثر من وجه وأكثر من حضور. صورة البطل في ذهن قارئ ليست هي نفسها في ذهن آخر، بل قد تتناقض الصور تماما، ومع ذلك تبقى جميعها شرعية، لأنها ليست خروجا عن النص بل انفتاحا لطاقته. الكتابة، بهذا المعنى، ليست سردا نهائيا للشخصيات، بل اقتراحا للتخييل الذي لا يكتمل أبدا.
ومن هنا يمكن القول إن القراءة ليست فعل استهلاك، بل فعل مشاركة. القارئ لا يقف خارج النص كما يقف المتفرج أمام مسرحية، بل يدخل في نسيجه ويترك أثره فيه. النصوص الكبرى تحديدا لا تمنح نفسها كاملة في القراءة الأولى، بل تظل قابلة لإعادة الاكتشاف مع كل عودة إليها. كل قراءة جديدة تفتح طبقة مختلفة من المعنى، وكأن الكتاب يتغير بتغير قارئه.
ربما لهذا السبب تبقى بعض الكتب معنا لسنوات طويلة. نحن لا نعود إليها لأنها لم تفهم، بل لأننا نحن لم نعد الأشخاص أنفسهم الذين قرأناها أول مرة. الزمن يضيف إلى القراءة أبعادا لم تكن ممكنة من قبل. التجربة الشخصية، والخبرة، وحتى الخيبات الصغيرة التي يمر بها الإنسان، كلها تعيد تشكيل علاقته بالكلمات.
في النهاية، القراءة ليست رحلة نحو نص ثابت، بل حركة مستمرة بين الذات والعالم. إنها لحظة يتقاطع فيها ما كتب بما نعيشه، فينشأ معنى جديد لا يخص الكاتب وحده ولا القارئ وحده، بل المسافة الخفية بينهما. في تلك المسافة بالذات يحدث السحر الحقيقي للقراءة؛ سحر يجعل الكتاب أكثر من مجرد صفحات، ويجعل القارئ أكثر من مجرد متلق، بل شريكا في ولادة المعنى.
مواضيع ذات صلة
القراءة بوصفها إعادة اكتشاف للذات
لطفية الدليمي وداعا.. رحلة بحث مستمرة عن الإنسان
"أصابع الحنين".. أناشيد الحب والحرب
اختيار الفنان والسينمائي الفلسطيني الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
هند جودة تقشر اللغة في "سقوط رداء الحرب"
"عين الزيتون".. روح مقاومة ومأساة لا تدوم
محمود شقير .. "أمي في زمن التحولات"