عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 18 نيسان 2026

رواية صندوق الرمل.. مرايا المحرقة وعبثية الذاكرة في مهب التاريخ

 
وفاء داري 
صدرت رواية "صندوق الرمل" عن منشورات المتوسط - إيطاليا عام 2022.  سطرت في 188 صفحة. للكاتبة والروائية الليبية عائشة إبراهيم والتي تتميز بقدرتها على النبش في التاريخ المنسي وإعادة صياغته أدبيا. تعد من الأصوات الروائية المعاصرة التي تمزج بين البحث التاريخي الرصين واللغة الإبداعية الشفافة. تقع الرواية في سردية تاريخية وإنسانية كبرى، متخذة من أحداث الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911 مسرحا فلسفيا لفحص الروح البشرية حين تسحق تحت عجلات الأيديولوجيا والحروب.  تتحدث الرواية عن "ساندرو كومباريتي"، الجندي الإيطالي الذي يجد نفسه في خضم جحيم المعركة في "عين زارة" جنوب طرابلس. تبدأ الحكاية بإصابة حظ تمنحه صك الخروج من الحرب، لكنها تورطه في حرب أعمق مع الضمير حين يبدأ بكشف جرائم الجيش الإيطالي، وخاصة مأساة النساء والضحايا في حي المنشية وشارع الشط.  تعتبر رواية "صندوق الرمل" وثيقة أدبية تعيد قراءة التاريخ من وجهة نظر "الآخر" الجندي الإيطالي لتكشف أن الاستعمار لم يحرق المستعمرين فقط، بل أحرق إنسانية المستعمرين أيضا. الكاتبة عائشة إبراهيم نجحت في تطويع اللغة لخدمة "المعالجة المعرفية" للتاريخ، حيث لم تقدم لنا حقائق تاريخية جافة، بل مشاعر متدفقة في قوالب روائية رصينة. الرواية تلبي حاجات الواقع المعاصر في ليبيا والعالم العربي من حيث حاجتنا لمواجهة الذاكرة الأليمة وتفكيك مفاهيم "البطولة" الزائفة. ربما  هناك من يرى أن "صندوق الرمل" رمزا لكل المساحات التي نحاول دفن أخطائنا فيها، لكن الرواية تثبت أن الحقيقة كالرمل لا يمكن الإمساك بها دون أن تتسرب من بين أصابع الصمت. هي صرخة إنسانية في وجه العبث، تدعونا لنكون بشرا قبل أن نكون جنودا في معارك ليست لنا.
 
دلالة العنوان وصورة الغلاف
يرمز عنوان "صندوق الرمل" فلسفيا إلى اللعبة العسكرية التي تقتلع البشر من سياقهم الإنساني لتحولهم إلى بيادق فوق مساحة محدودة من الرمل يسهل محوها. 
أما الغلاف، الألوان والرموز البصرية فهو عتبة بصرية تعكس التشظي والصدأ الزمني، ملمحا للتقاطع بين الوهم الإمبراطوري ومرارة الأرض المحروقة.
 
 الأسلوب الأدبي والتقنيات السردية:
تعتمد الكاتبة أسلوبا  "تعددي الأصوات" غير مباشر، حيث يتحرك السرد بين ضمير الغائب والمونولوج الداخلي لساندرو. اللغة تمتاز بأناقة القسوة، فهي تصف الفظائع ببرود فني يجعل الأثر المعرفي أعمق لدى القارئ. تستخدم الكاتبة تقنية (الاسترجاع) لربط حياة ساندرو في ميلانو وتورينو بواقعه في طرابلس. 
ثيمات الرواية: تتمحور الرواية حول ثيمة الوعي الشقي، حيث الصراع بين الامتثال العسكري واليقظة الأخلاقية، وثيمة الضحية والجلاد التي تتجلى في علاقة ساندرو بضحايا الحرب، مما يطرح تساؤلا حول مدى قدرة الإنسان على الاحتفاظ بإنسانيته وسط ركام الكراهية.
نلاحظ أيضا تجلي ثيمة الوعي والضمير: تجلت في تساؤل ساندرو عن قدرة الإنسان على استنكار القبح وهو جالس يقرأ الصحيفة، بينما يمارسه في الميدان. أيضا ثيمة التناقض: التباين بين صقيع ميلانو البارد ودفء نابولي وفوضى طرابلس الحارة. كذلك ثيمة الضحية والجلاد: العلاقة المعقدة بين الجندي ساندرو والضحية "حليمة". 
آفاق للتحسين الجمالي: وهي لا تؤثر على جوهر الرواية بل من جانب التحسين الذي لا يمس عمق وأهمية الرواية، تبرز بعض النقاط التي كان من الممكن أن تزيد من كثافة التجربة السردية:
أولا: منطقية التحول (ص 6، الفصل الثاني): انتقال ساندرو من المستشفى إلى مكتب الصحفي فاليرا في نابولي ليعترف بجرائمه، حيث إن هذا التحول المفصلي حدث بسرعة سردية لافتة، وكان من الأجمل تمهيد هذا الصراع بمشاهد حوارية أطول مع الجرحى في المستشفى لإنضاج قرار الاعتراف.
ثانيا: الاقتصاد الوصفي (ص 10، الفصل الأول): في وصف ازدحام العربة (رائحة الإبط والبراندي)، رغم صدق الوصف الواقعي، إلا أن تكثيف هذه المساحة لتعميق حالة ساندرو الذهنية تجاه "جارسيندا" كان سيمنح المشهد بعدا وجدانيا يربط القبح الخارجي بالحنين الداخلي.
في النهاية: رواية "صندوق الرمل" هي وثيقة أدبية تعيد قراءة التاريخ من وجهة نظر "الآخر" المأزوم بضميره. نجحت الكاتبة عائشة إبراهيم في تقديم عمل يلبي معايير الرواية المعاصرة عبر الموازنة بين البحث التاريخي والرؤية الفلسفية، مما جعل النص رسالة سياسية واجتماعية تمس واقعنا الراهن، وتدعو لمواجهة الذاكرة دون مواربة.
 
نبذة عن مؤلفة الرواية "صندوق الرمل":
عائشة إبراهيم روائية ليبية من مواليد مدينة بني وليد، ليبيا، عام 1969، متحصلة على بكالوريوس علوم تخصص رياضيات، ودبلوم الدراسة العليا في الإحصاء. عملت بالتدريس، ثم كمدير تحرير لموقع وزارة الثقافة الليبية، وموقع المفوضية العليا للانتخابات. بدأت مشوارها الأدبي في مرحلة الدراسة الجامعية في التسعينيات حيث تحصلت على جائزة الدولة للطلاب في مجال الكتابة المسرحية عن نص مسرحية "قرية الزمرد" في العام 1991. صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان " العالم ينتهي في طرابلس" (2019) وروايتان: "قصيل" (2016) و"حرب الغزالة" (2019) التي وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية سنة 2020. حازت عائشة إبراهيم على وسام الإبداع لوزارة الثقافة الليبية، عام 2020. 
وصلت روايتاها (حرب الغزالة) و (صندوق الرمل) الى القائمة الطويلة لجائزة الرواية العربية لعامي 2020+ 2023 على التوالي.
------------
* روائية وباحثة فلسطينية  تعيش في القدس