انخفاض القوة الشرائية في نابلس والتجار يتحدون الحصار
افتتاح 200 محل تجاري جديد في المدينة خلال النصف الأول من العام الجاري

نابلس- الحياة الاقتصادية- ميساء بشارات – يجلس الحاج جعفر أبو جعفر داخل محله التجاري وسط مدينة نابلس، أثناء دخول بعض النساء إلى محله الجديد للشراء، والسؤال عن أسعار بعض قطع الملابس لديه.
وافتتح أبو جعفر محله، وهو فرع ثان لمحلاته قبل عدة أشهر، رغم الحركة التجارية الخفيفة التي تمر بها مدينة نابلس، والتي أحيانا تدفع البعض للتراجع عن الاستثمار في هذه المدينة.
وتتعرض مدينة نابلس للاقتحامات شبه اليومية من قبل قوات الاحتلال، وانتشار الحواجز العسكرية الإسرائيلية على مداخلها، والتشديد والتفتيش والتأخير، عدا عن اعتداءات المستوطنين المتكررة في الشوارع والقرى الملاصقة لها، وكل ذلك يعيق وصول الناس للمدينة، ما يؤثر على الوضع الاقتصادي والحركة الشرائية في المحافظة.
ففي مثل هذا الوقت من كل عام، عادة ما تكون حركة التسوق كبيرة وملحوظة في مدينة نابلس، ويشهد السوق حركة تجارية نشطة، فهو موسم للمناسبات والأفراح على اختلافها، إضافة إلى اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد.
لكن يبدو المشهد اليوم مختلفا وعلى غير عادته، مع تراجع كبير على النشاط الاقتصادي في هذه المحافظة التي تعتبر عاصمة فلسطين الاقتصادية والمركز التجاري والصناعي في الضفة، وإحدى أكبر المدن في فلسطين سكانا، وباتت خسائرها تزداد يوما تلو الآخر.
وكان البنك الدولي حذر في تقرير له قبل شهرين، من أن الاقتصاد الفلسطيني مقبل على فترة "قاتمة" مع استمرار إسرائيل في حصارها لقطاع غزة وزيادة القيود المفروضة على الضفة الغربية المحتلة.
وتوقع البنك تراجع نمو الاقتصاد الفلسطيني في عام 2023 بسبب التوترات، رغم انتعاش الاستهلاك الخاص في عام 2022 وتعافيه من القيود التي فرضت خلال جائحة كورونا.
الحاج أبو جعفر وغيره من المستثمرين يتحدون الواقع الاقتصادي السيئ للمدينة، بالاستثمار وافتتاح مشاريع مختلفة فيها، مبينا أن سياسة الضغط الاقتصادي التي يمارسها الاحتلال ستفشل أمام إرادة وصمود أبناء شعبنا.
ويقول الرجل بعد أن باع أحد الزبائن: "رغم الوضع الاقتصادي السيئ في المحافظة إلا أنني افتتحت فرعا جديدا لمتجري، والدافع الرئيسي أنني ابن البلد، ويجب أن استثمر فيها، والحياة يجب ألا تتوقف أو نبتعد عن المدينة لوضعها الحالي، فالوضع الاقتصادي السيئ يجب أن يتغير للأفضل لتعود عاصمة للاقتصاد الفلسطيني".
ويتابع: "لو أردنا وضع الحركة التجارية الخفيفة الحالية أمام أعيننا لما تقدمنا خطوة جديدة واحدة إلى الأمام، لكن يجب ألا نجعل أهداف الاحتلال تتحقق عبر عزوفنا عن العمل والاستثمار، ويجب تجاوزها".
من جانبه، يقول الناطق الرسمي باسم غرفة تجارة وصناعة نابلس ياسين دويكات، إن الحركة التجارية تراجعت في نابلس ووصلت إلى 20% مقارنة مع دورتها الطبيعية، فيما وصلت العام الماضي إلى 50- 60% من دورتها في كل القطاعات.
ويضيف أن الوضع الاقتصادي في المحافظة الذي لم تمر بمثله من قبل، من ظروف اقتصادية سيئة وركود تجاري بدأ منذ شهر تشرين الأول الماضي، أثر بشكل ملموس على النشاط التجاري بالمدينة، وامتدت آثاره حتى يومنا هذا، إلا أن الغرفة تشارك كل أسبوع تقريبا بافتتاح محلات جديدة، وهذا يدل على أن شعبنا حي ولديه أمل وحب للحياة، كما أن نابلس جاذبة للاستثمار لموقعها المتميز المتوسط ووجهة رئيسية للتسوق.
ويشير إلى أن عدد الشركات والمحال التجارية التي سجلت في غرفة تجارة نابلس منذ بداية العام الجاري نحو 200 محل، مقارنة بـ120 محلا افتتحت العام الماضي، وعدد من فعلوا ملفاتهم التجارية وأعادوا فتح محلاتهم بعد أن كانت مجمدة وصل إلى 400 محل.
ويوضح أن الاقتحامات المتكررة للاحتلال واجراءاته على المحافظة خلق حالة من الهلع والخوف عند المتسوقين من القرى المجاورة والمحافظات الأخرى، خاصة لدى أهلنا داخل أراضي الـ48، الذين تعتمد عليهم المحافظة بشكل كبير في التسوق.
ويشير إلى وجود تخوفات لدى من يدخل نابلس للتسوق من التأخير والمضايقات على الحواجز والاقتحامات والإغلاقات، فيصبحوا مترددين في المجيء للتسوق فيها، موضحا أن العامل الأمني هو السبب الرئيسي الذي أثر على نابلس اقتصاديا.
ويتابع دويكات أن نابلس تلعب دورا مهما في الاقتصاد الفلسطيني وهي مركز تجاري هام لموقعها المتوسط في قلب الضفة الغربية، وتربط الشمال بالوسط، فمنها وإليها تخرج البضائع، وهي حلقة وصل بين المحافظات، كما أنها تعتبر عاصمة الاقتصاد الفلسطيني، لما لعبته على مر السنوات والعقود الماضية، وهي منتج للعديد من السلع، والصناعات مثل صناعة الصابون النابلسي، وحجر البناء، والألمنيوم، والمفروشات، والصناعات الغذائية مثل الزيوت النباتية والألبان والحلويات والمكسرات.
ويشير إلى أن ما يحدث الآن أعاد نابلس التي تتمتع بقوة اقتصادية إلى الوراء، كما أن القوة الشرائية لموظفي القطاع العام أصبحت لا تكفي للحركة التجارية، فالرواتب محدودة لا تتناسب مع مستوى الغلاء المعيشي، إضافة الى قلة التدفقات النقدية التي تدخل إلى السوق سواء من الحكومة للوزارات على شكل مشاريع معينة، ما انعكس على جميع القطاعات.
ويتخوف التجار وأصحاب المحال التجارية في نابلس من سوء الأوضاع الاقتصادية في المحافظة، لافتين إلى أن استمرار الوضع على حاله يهدد بحدوث كارثة اقتصادية، خاصة أن القوة الشرائية انخفضت بشكل ملحوظ.
وأظهرت نتائج نشرتها سلطة النقد، عن دورة الأعمال في شهر تموز/يوليو المنصرم، انخفاض المؤشر الكلي في فلسطين، ليبلغ 5.9 نقطة، مقارنة بـ14.2 نقطة في حزيران، جراء تراجعه في الضفة الغربية، واستقراره في قطاع غزة.
وتمتلك مدينة نابلس أسواقا جميلة ومتنوعة ومنتشرة في كل المدينة ولديها تنوع هائل في السلع والأسعار. وتعتبر صناعة الأثاث في نابلس من الصناعات القديمة والتي تشكل جزء كبير من الصناعة في المحافظة، وتحوي عدد أكبر ممكن من العمالة، تصدر نابلس الأثاث لكل مدن الضفة الغربية وأراضي الـ48، وفيها نحو 850 منشأة لتصنيع الأثاث.
عدد من التجار في المدينة أغلقوا محلاتهم نتيجة الوضع الاقتصادي المتدهور، وعدم استطاعتهم الاستمرار في السوق، وتتراوح نسبتهم حسب غرفة تجارة وصناعة نابلس من 5- 10%.
ويأمل دويكات والتجار بتحسن الوضع الاقتصادي في نابلس وعودة الحياة فيها. ويشير صاحب محل تجاري في نابلس، فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن 70% من عمله قد تراجع خلال الفترة الماضية بسبب الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة، وتشديد الحواجز.
ويقول: "وضع العمل تراجع في الأيام العادية بشكل كبير، والربح قليل جدا، وبعض المحلات قلصت من عدد موظفيها، والبعض الآخر استبدلهم بأفراد من العائلة مثل الابن أو الأخ ليقلص من النفقات والرواتب".
ويطالب الشاب بعمل حملات تشجيعية للمتسوقين للتسوق في مدينة نابلس.
ويوضح الناطق الرسمي باسم غرفة تجارة وصناعة نابلس أن محافظة نابلس تعتمد في نشاطها التجاري على المتسوقين من المحافظات الأخرى والقرى المجاورة وأهلنا في أراضي الـ48، أي اعتماد كبير على السياحة الداخلية فيها، ليس فقط للتسوق بل أيضا لوجود مرافق سياحية عديدة فيها قد تضررت ومنها أصبح مهددا بالإغلاق.
وكانت حكومة الاحتلال اليمينية، قد أعلنت منذ بداية العام الجاري في كانون الثاني/يناير سلسلة عقوبات ضد السلطة الوطنية، أبرزها الاقتطاعات المالية الكبيرة من المقاصة وتقدر بمئات الملايين شهريا، كما عملت على استهداف المدينة من خلال شن سلسلة اقتحامات دامية وفرض حصار عليها.
مواضيع ذات صلة
عرابة: الاحتلال يواصل تجريف أراضِ لليوم الثالث
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل
كيسان.. قرية تواجه الاقتلاع والاستيطان
اقتصاد محاصر.. هل تنجح "يلا ع نابلس" في إنعاش سوق فقد 70% من نبضه؟
مجسم "الفاضلية" في طولكرم.. شعلة تروي حكاية العلم والصمود
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!