عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 02 أيار 2026

أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل

من ركام غزة إلى كشك في رام الله

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في زاوية شارع مزدحم في رام الله، تقف إلهام أبو جديان، خلف كشك صغير، تبيع ألعاب الأطفال والسكاكر، لكن حكايتها أكبر بكثير من مساحة هذا الكرفان الضيق. سيدة في عقدها السادس، جاءت من معسكر جباليا في قطاع غزة قبل ثماني سنوات، حاملة معها عائلة كبيرة، وأعباء أكبر، وقصة تختصر وجع النزوح وتحدي البقاء.

تعيش أم رمزي اليوم في بلدة بير نبالا، برفقة ابنتين، إحداهما من ذوي الاحتياجات الخاصة، بعد أن تمكن الصليب الأحمر من نقلهما من غزة، فيما بقي بقية أفراد العائلة هناك، عالقين في ظروف الحرب القاسية. عائلة تمتد لأكثر من خمسين فرداً بين أبناء وأحفاد، تقول عن عددهم بابتسامة مثقلة لـ"الحياة الجديدة": "ما تعدّيش".

داخل هذه العائلة، تتكثف المأساة؛ زوج مقعد أصيب بجلطة بعد الحرب، متأثراً بما حل بغزة من دمار، وثلاثة أبناء مكفوفين، أحدهم الأكبر ومتزوج ولديه أطفال، وابنة صغرى من ذوي الاحتياجات الخاصة. وبين هؤلاء جميعاً، ابن جريح أصيب بشظية في ظهره جراء قصف بطائرة مسيّرة، ولا يزال ينتظر فرصة للعلاج خارج القطاع، في ظل انعدام الإمكانيات الطبية هناك، حيث تناشد أم رمزي عبر "الحياة الجديدة" العمل على إخراجه للعلاج.

أمام هذا الواقع، لم يكن أمام أم رمزي سوى أن تتحول إلى المعيل الأول، بل الوحيد، لعائلتها الممتدة. وتقول لـ"الحياة الجديدة": "صرت مسؤولة عن أكثر من خمسين شخصاً، ما في خيارات". بدأت رحلتها من بسطة صغيرة تبيع عليها "المفتول"، ثم أضافت السكاكر، وانتقلت إلى عربة تجوب بها الشوارع "كالرجال"، قبل أن تتمكن، بمساعدة أهل الخير وبلدية رام الله، من إقامة كشك صغير وجدت فيه شيئاً من الاستقرار.

تبدأ يومها في الثامنة صباحاً، ولا تنهيه قبل الثامنة مساءً. وتوضح في حديثها لـ"الحياة الجديدة" أنها تصرّ على اصطحاب زوجها معها رغم صعوبة تنقله على كرسي متحرك، في رحلة يومية شاقة من بير نبالا إلى رام الله. وبين البيع والانتظار، تحاول أن تجمع ما يكفي لتلبية احتياجات عائلتها، وإرسال ما تستطيع إلى أبنائها في غزة، حيث "تحولت البيوت إلى تراب وسراب".

تقول أم رمزي لـ "الحياة الجديدة" بواقعية قاسية: إن الحياة صعبة، ولولا قسوتها لما اضطرت إلى الجلوس في وسط الشارع لبيع ما توفره من سلع. لكنها ترفض الاستسلام أو اللجوء إلى طلب المساعدة المباشرة، مؤكدة في سياق حديثها لـ"الحياة الجديدة" أن العمل ليس عيباً، بل إن العيب يكمن في مدّ اليد والتسوّل.

بدأت مشروعها بقرض بسيط، واستكملت ما تحتاجه بدعم من فاعلي الخير، لكنها ترى في عملها أكثر من مجرد مصدر دخل؛ هو وسيلة للحفاظ على كرامتها، وإثبات قدرتها على الصمود رغم كل الظروف.

وخلال الحديث مع "الحياة الجديدة"، لم تتمالك أم رمزي دموعها وهي تستعيد ما حل بعائلتها وبغزة من دمار وتشتت. ومع ذلك، سرعان ما تعود إلى نبرة الامتنان، قائلة: "الحمد لله… على الأقل أستطيع أن أوفّر شيئاً فشيئاً لأبنائي وعائلاتهم، حتى لا يضطروا إلى الحاجة".

وفي ختام حديثها لـ"الحياة الجديدة"، تؤكد أنها لا تملك سنداً سوى نفسها: "أعمل كما يعمل الرجال، وكأنني في جهاد مستمر". وتشير إلى عبء إضافي يتمثل في تكلفة علاج زوجها، التي تصل إلى نحو ألف شيقل شهرياً، ما يزيد من ثقل المسؤولية اليومية.

ورغم كل ما تحمله من وجع، تختم أم رمزي رسالتها عبر "الحياة الجديدة" بكلمات تختصر المسافة بين رام الله وغزة، بين الفقد والأمل: "الله يرضى عليكم يا يما ويحميكم ويجمعنا قريب".