عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 02 أيار 2026

مجسم "الفاضلية" في طولكرم.. شعلة تروي حكاية العلم والصمود

طولكرم – الحياة الجديدة – مراد ياسين- في مشهد يجمع بين الرمزية والجمال، تتعزز ملامح الهوية البصرية لمدينة طولكرم مع إزاحة الستار عن مجسم نادي الفاضلية، القائم بالقرب من الجدار العنصري، وفي محيط المؤسسات التعليمية التي تمتد من المدارس وصولا إلى جامعة فلسطين التقنية "خضوري". ويشكل المجسم إضافة نوعية للمشهد الحضري، حيث يحول الفضاء العام إلى مساحة نابضة بالمعنى، تتجاوز وظيفتها التقليدية لتصبح منصة للتأمل واستحضار الذاكرة.

وجاء تنفيذ المشروع بمبادرة من بلدية طولكرم، وبقيادة رئيسها السابق د. رياض عوض، وبإشراف المهندس علاء إعطير، وبالشراكة مع نادي خريجي الفاضلية، فيما حملت الرؤية الفنية توقيع الفنانين إياد زيدان وأحمد حمدان عبر "خان الخواجا للأعمال الفنية"، في تجربة تكاملية جمعت بين المؤسسات الرسمية والطاقات الإبداعية.

وشهد حفل الافتتاح حضور محافظ طولكرم د. عبد الله كميل، والقائم بأعمال رئيس البلدية مهند الجلاد، وأمين سر حركة فتح إياد الجراد، إلى جانب ممثلي المؤسسات والفعاليات الوطنية.

وأكد الجلاد أهمية المجسم في تخليد دور مدرسة الفاضلية، التي تأسست عام 1908، وأسهمت في تخريج أجيال من العلماء والأطباء والمهندسين الذين تركوا بصماتهم في فلسطين وخارجها.

بدوره، أشاد المحافظ كميل بالقائمين على المشروع، معتبرا أن المجسم يجسد تاريخ المدينة العلمي ودورها في رفد المجتمع بالكفاءات رغم التحديات.

وشدد على أن "شعلة العلم التي يرمز إليها المجسم ستبقى متقدة"، مؤكدا تمسك شعبنا الفلسطيني بأرضه واستمراره في مسيرة الصمود والبناء.

من جانبه، أوضح د. رياض عوض أن إقامة المجسم تأتي تقديرا لمسيرة نادي الفاضلية ودوره في تخريج أجيال متعاقبة شغلت مواقع متقدمة في مختلف أنحاء العالم، ما يعكس عمق الرسالة التعليمية التي حملتها المدرسة عبر تاريخها.

وعلى الصعيد الفني، أوضح مدير مكتب وزارة الثقافة د. منتصر الكم أن المجسم يقوم على تكوين بصري مكثف يجمع بين عناصر رمزية متكاملة، تتمثل في يد عملاقة تحمل شعلة تعلو كتابا مفتوحا، مشيرا إلى أن هذا التكوين يجسد ثلاثية مترابطة: الفعل في اليد، والمعرفة في الكتاب، والتنوير في الشعلة.

وأضاف أن العمل لا يقدم رموزه بشكل مباشر، بل ينسج بينها علاقة دلالية عميقة تعبر عن التعليم بوصفه مشروعا إنسانيا قائما على البناء والتغيير، لا مجرد التلقين.

ويبلغ ارتفاع المجسم نحو 5.70 أمتار، مرتكزا على قاعدة رخامية صلبة، فيما تضفي الخامات المعدنية والطلاء البرونزي عليه حضورا بصريا مهيبا يستحضر ملامح النحت الكلاسيكي ويعزز الإحساس بالاستمرارية. كما يوازن التصميم بين نعومة التكوين العضوي وصلابة البنية الهندسية، ما يمنحه ديناميكية بصرية متجددة.

ويحتل المجسم موقعا استراتيجيا في أحد الدوارات الرئيسية، حيث لا يقتصر دوره على تنظيم الحركة المرورية، بل يسهم في إعادة تشكيل إدراك المكان، محولا التقاطع إلى نقطة دلالية تعكس هوية المدينة وروحها.

ويتجاوز المجسم بعده الجمالي ليؤدي وظيفة توثيقية، إذ يستحضر تاريخ مدرسة الفاضلية ونادي خريجيها، ويجسد القيم التعليمية في صورة مادية راسخة داخل النسيج الحضري. كما يعكس نموذجا ناجحا للشراكة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني، في تحويل الفن إلى أداة تنموية تعزز حضور المعنى في الفضاء العام.

ويمتد البعد الرمزي للمجسم نحو الأفق الغربي، في تلاق بصري مع ذاكرة المكان، حيث تتجاور دلالاته مع معالم تاريخية وتعليمية، في مشهد يربط بين الماضي والحاضر ويستشرف المستقبل.

في المحصلة، لا يقف مجسم الفاضلية عند حدود كونه نصبا جماليا، بل يمثل بيانا بصريا يعكس وعي المدينة بذاتها، ويؤكد أن المعرفة حين تتجسد في الحجر والضوء، تتحول إلى ذاكرة حية لا تنطفئ.