نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- تتكدس الأحداث في ذاكرة فتاة لم تكن تأمل بمزيد من العمر، إنما اشتهت مزيدا من الحياة على أرض تتزاحم فيها قصص الألم.
في ذلك البيت على طرف عامر بالألم من مخيم جنين، تقابل داوود وزكريا وطه الزبيدي بشخصياتهم الحقيقية، لكنهم أطفال حملوا أسماء من قضوا نحبهم، وآخرون لا يزال لديهم من العمر بقية، لكن بلا حياة، يقبعون خلف قضبان السجان، يتحول الأمل بالحرية إلى أمنيات البكاء وجها لوجه أمام جثمان شقيق وعم وأم وأصدقاء ورفاق درب، كلهم رحلوا بينما أمنية الوداع ظلت معلقة.
على طرف آخر من المخيم يفيض بالحزن وذكريات الوجع، يتوقف الناس لتحسس بقايا دماء ظلت رطبة حتى يومها، يحفرون على شجرة مزق الرصاص لحاءها عبارات وداع للشهيدة شيرين أبو عاقلة، يلتقطون صورا للمكان، ويوثقون بأنفسهم المزيد من تفاصيل جريمة الاغتيال.
مع نهاية الأسبوع الماضي، زار صحفيون من محافظة نابلس مدينة جنين ومخيمها، وبلدة قباطية بتنظيم من نقابة الصحفيين، من بين أكوام الألم كانت تطل طاقة هائلة من التحدي والإصرار على مواصلة المسيرة.
في البيت الصحفية شذى حنايشة في بلدة قباطية والتي كانت شاهدة على جريمة إعدام شيرين أبو عاقلة، لم تفق الإعلامية الشابة من صدمتها بعد، وما مضى من أيام لم يمنحها حتى الآن القدرة على العودة إلى حياة اعتيادية، وجبل ذكريات الألم الذي حجز المساحة الأوسع من الذاكرة يجعل مشهد الموت والبحث عن الحياة هو الحاضر دوما في الحديث، بينما بجانبها أب يشحذ الهمم لابنته ويذكرها بحياته في بيروت في أوج جحيمها.
في مستشفى ابن سينا التخصصي حيث كان الصحفي علي السمودي يتلقى العلاج، ظل حتى قبل مغادرته المستشفى بلحظات يوزع المعنويات على زملائه الإعلاميين، يمنحهم جرعات متتالية من الأمل، ورسائل صارمة بضرورة الثبات على نهج نقل الحقيقة.
في ذات المكان، كان جاني جوخة، المدير التنفيذي لمستشفى ابن سينا، يروي قصص الموت التي تحولت إلى حياة بجهود طواقم طبية فلسطينية، أصرت على القيام بمهام إنسانية وسط كل هذا الموت الذي يزرعه المحتل بكل إصرار على الخلاص من الفلسطيني، وهو ما يوثقه نوع الرصاص الذي أصاب من وصل إلى المستشفى والضرر الهائل الذي يحدثه في الجسم.
حيث استشهدت شيرين أبو عاقلة، كانت المحطة التالية، شيرين حاضرة هناك بقوة، بذكريات الحدث، بصورها، بجداريات جسدت شخصيتها، بدمائها التي يسقيها الناس حتى لا تجف، لا يمل جيران المكان من إعادة تفاصيل ما حدث مع كل سائل يطرح تساؤله، أين كانت، وبأي ذنب قتلت.
العابرون من طرف المخيم، يتوقفون عند مسرح الجريمة، يستمعون للتفاصيل ذاتها، ويترحمون على أيقونة الإعلام، ويلتقطون صورا تذكرهم بأن الجريمة مستمرة.
على مقربة من المكان، منزل عائلة الزبيدي، هناك يحدثونك عن زكريا الصامد في سجنه، وزكريا الطفل الذي يتشبه بعمه، وداوود الطفل وداوود الشهيد، وطه الطفل والآخر الشهيد، تجدد الأسماء في العائلة، وكأنهم يقصون على من حضر لتقديم واجب العزاء، حكاية عائلة لن ينجح الاحتلال في اجتثاثها.