عاجل

الرئيسية » رياضة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 09 أيار 2026

ماراثون فلسطين في نسخته العاشرة.. لأول مرة صافرة البداية في رئتي الوطن

كتبت: رنا المشني

"تصوير: عصام الريماوي"

الرجوب من تحت قبة برلمان الفيفا إلى مؤتمر بيت لحم .. وختام دولي بنكهة فلسطينية

في البدء كانت الإرادة…

وكان الفلسطيني، كعادته، يكتب الحياة على حافة التعب، ويزرع الفرح في أرضٍ أنهكتها السنوات الثقيلة. فمن رحم المعاناة، ومن بين ركام عامين مثقلين بالقلق والقيود والاختناق اليومي، خرجت فلسطين لتقول للعالم إن هذا الشعب لا يجيد البكاء وحده، بل يجيد أيضا الركض نحو الضوء، حتى وإن كانت الطرقات محفوفة بالوجع.

لم يكن ماراثون فلسطين الدولي بنسخته العاشرة مجرد حدث رياضي عابر، بل كان عرسا وطنيا واسعا، وحالة جماعية من التشبث بالحياة، حيث تحولت شوارع بيت لحم إلى نهر بشري متدفق بالألوان والهتافات والضحكات المؤجلة. آلاف المشاركين تدفقوا منذ ساعات الصباح الأولى، يحملون في خطواتهم رغبة دفينة في استعادة شيء من الحياة الطبيعية التي سلبت طويلا تحت وطأة الظروف الصعبة.

كانت صافرة الانطلاق أشبه بانفجار للأمل المكبوت، لحظة تحررت فيها الأرواح قبل الأجساد، واندفع الجميع يركضون لا نحو خط نهاية، بل نحو فسحة من الحرية المؤقتة، وكأن كل متر في السباق كان محاولة للهروب من ثقل الواقع إلى رحابة الحياة.

 

حضور "الجنرال".. من منصات "الفيفا" إلى شوارع بيت لحم

ازدانت انطلاقة الماراثون بحضور رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، الفريق جبريل رجوب، الذي عاد من محافل الاتحاد الدولي لكرة القدم حاملا معه صدى الموقف الفلسطيني الصلب، بعد موقفه الرافض لمصافحة ممثل الاتحاد الإسرائيلي، في مشهد لاقى احتراما واسعا بين أبناء شعبنا الفلسطيني.

ولم يكن حضوره في بيت لحم بروتوكوليا أو رمزيا فحسب، بل بدا وكأنه امتداد طبيعي لمعركة الفلسطيني في كل المحافل، فالموقف الرياضي هنا لم يكن منفصلا عن الموقف الوطني، والركض في شوارع بيت لحم بدا صورة أخرى من صور الدفاع عن الكرامة الفلسطينية فوق المنصات الدولية.

الهتافات التي رافقت ظهوره، وحرص المشاركين على التقاط الصور معه، عكست حجم التقدير الشعبي لهذا الثبات الذي جعل من الرياضة الفلسطينية رسالة كرامة وهوية لا تقبل الانكسار أو المساومة.

ومنذ اللحظة الأولى لعودته، تابع الفريق الرجوب تفاصيل الحدث بدقة؛ ترأس المؤتمرات الصحفية، وتفقد الاستعدادات الليلية، وحرص على متابعة أدق تفاصيل التنظيم، قبل أن يقوم بجولة يوم الماراثون في ساحة المهد، بين العدائين والمتطوعين، مشاركا الجميع فرحتهم، وصولا إلى مراسم التتويج واختتام هذا اليوم الاستثنائي.

 

غزة وبيت لحم.. وطن واحد يركض بقلبين

وبالتزامن مع نبض الحياة في بيت لحم، كانت غزة حاضرة بكل وجعها وكبريائها، وكأن المسافة بين المدينتين اختصرت في نبضة قلب واحدة. هناك أيضا انطلق السباق، لكن بصورة أكثر إيلاما ودهشة، ففي مدينة أنهكتها الحرب، بدا الركض فعلا يشبه المعجزة.

كان العداؤون في غزة يركضون فوق شوارع مثقلة بالخراب، لكنهم حملوا في أرواحهم ما هو أثقل الإصرار على النجاة. كثيرون منهم شاركوا حفاة الأقدام، بعدما سرقت الحرب أبسط تفاصيل الحياة منهم، حتى الأحذية الرياضية لم تعد متاحة لكثير من الشبان والأطفال. ومع ذلك، ركضوا.

ركضوا بأقدام لامست الأسفلت العاري، لكنها لامست أيضا معنى الكرامة والصمود. كانت الأقدام الحافية هناك أكثر بلاغة من كل الخطب، وأكثر قدرة على فضح قسوة الواقع. لم يكن المشهد مجرد سباق، بل كان إعلانا مدويا أن الفلسطيني، حتى وهو محاصر بالجوع والركام، ما زال قادرا على الركض نحو الحياة.

لقد بدا ماراثون غزة أشبه بمحاولة جماعية للهروب من الموت إلى مساحة ضيقة من الفرح، ومن صوت الصواريخ إلى صوت الأنفاس المتلاحقة، ومن العتمة الثقيلة إلى نافذة صغيرة تطل على الأمل.

 

مبتورو الأطراف.. حين يركض الجسد الناقص بروح كاملة

أما المشهد الذي تسلل إلى القلوب دون استئذان، فكان حضور مبتوري الأطراف في سباق غزة، أولئك الذين حاولت الحرب أن تنتزع منهم القدرة على الحركة، لكنها عجزت عن انتزاع إرادتهم.

رأيناهم يركضون بأطراف مبتورة وأجساد مثقلة بالألم، لكن بأرواح تعلو فوق المستحيل. لم يكونوا يسابقون الزمن فقط، بل كانوا يسابقون القهر ذاته، ويعيدون تعريف معنى القوة أمام العالم.

كانوا يركضون نحو حريتهم الخاصة، نحو حقهم الطبيعي في الحركة والحياة، وكأن كل خطوة يقولون فيها إن الإنسان يمكن أن يجرح، لكنه لا يهزم ما دام يحمل في داخله معنى الحياة.

 

كراسي متحركة تخترق المستحيل

وفي واحدة من أكثر اللحظات إنسانية وتأثيرا، حضرت فئة ذوي الإعاقة لتمنح الماراثون قلبه الحقيقي. لم تكن مشاركتهم مجرد لقطة رمزية عابرة، بل كانت درسا كاملا في الإرادة.

رأينا آباء وأمهات يدفعون الكراسي المتحركة وسط الزغاريد والدموع والابتسامات، وكأنهم يدفعون أبناءهم نحو مساحة حرة لا تعترف بالحواجز. الأطفال والشبان من ذوي الإعاقة لم يكونوا خارج الحدث، بل كانوا في مركزه تماما، يزرعون الفرح في كل زاوية، ويثبتون أن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، بل في محاولة كسر إرادة الإنسان.

كانت تلك الابتسامات كافية لتقول إن الرياضة هنا ليست منافسة فقط، بل علاج جماعي للروح، ورسالة بأن الفلسطيني، مهما أثقلته الظروف، لا يزال يبحث عن نافذة للحياة.

 

الإعلام.. حين تتحول الكاميرا إلى رسالة وطنية

وكإعلاميين في المجلس الأعلى للشباب والرياضة، لم نكن مجرد ناقلين للحدث، بل كنا جزءا أصيلا من هذه الحكاية الوطنية. منذ اللحظات الأولى في مركز السلام بساحة المهد، واكبنا تفاصيل التحضيرات، واستلام العدائين لعدة الركض، وملامح الحماس التي ارتسمت على وجوه الجميع.

حرصت الطواقم الإعلامية والمتطوعون على نقل الصورة الكاملة، ليس فقط أرقام المشاركين وخطوط السباق، بل الحكايات الإنسانية المختبئة خلف كل وجه. كاميراتنا وثقت دموع الفرح، وارتباك البدايات، وضحكات الأطفال، وصمود غزة، ورسائل الأمل التي حملها العداؤون معهم.

تحولت التغطية الإعلامية إلى رسالة وطنية بامتياز، تؤكد قدرة الفلسطيني على صناعة حدث حضاري وإنساني رغم كل الظروف، وتعكس كفاءة المنظومة الرياضية الفلسطينية وإصرارها على صناعة الحياة حتى في أصعب اللحظات.

ولم تقتصر التغطية على الإعلام الرسمي، بل توسعت لتشمل كل وسائل الإعلام المحلية ووكالات الأنباء الأجنبية التي وثقت الحدث وانتشرت صور الإرادة في عديد المواقع العالمية بالإضافة للانتشار الواسع على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

الحفل الختامي.. تتويج الإرادة قبل الأبطال

وفي ختام يوم بدا أشبه بملحمة وطنية مفتوحة على الفرح والتحدي، تحولت لحظات التتويج إلى مشهد إنساني مهيب اختلطت فيه التصفيقات بالدموع والابتسامات. لم يكن الحفل الختامي مجرد إعلان لأسماء الفائزين، بل كان احتفالا بانتصار الإرادة الفلسطينية على كل ما حاول أن يخنق هذا الحدث أو يطفئ روحه.

ولأول مرة في تاريخ ماراثون فلسطين الدولي، خلت قوائم الفائزين من العدائين الأجانب، بعدما فرض الحصار والقيود الصعبة واقعا حد من المشاركة الخارجية، لتكون النسخة العاشرة فلسطينية الملامح والروح إلى حدها الأقصى.

لكن الغياب الخارجي لم يترك فراغا، إذ حضرت المشاركة الفلسطينية بكثافة لافتة، وعوض العداؤون الفلسطينيون هذا الغياب بحضورهم الكبير ومستوياتهم المميزة، وكأنهم أرادوا أن يقولوا إن فلسطين قادرة دائما على ملء المساحات بالحياة مهما ضاقت الظروف.

كان التتويج هذه المرة مختلفا، فالمنصة لم تحمل فقط أسماء فائزين، بل حملت حكايات تعب وصمود وتحد. كل ميدالية بدت وكأنها تعلق على صدر فلسطين كلها، وكل كأس ارتفع في الهواء كان إعلانا جديدا أن هذا الشعب، رغم الجراح والحصار، ما زال قادرا على صناعة الفرح والانتصار.

وفي تلك اللحظات الأخيرة، بينما كانت الأضواء تخفت تدريجيا في ساحة المهد، بقي شيء واحد مضيئا في القلوب، أن ماراثون فلسطين لم يكن سباقا ينتهي عند خط الوصول، بل رسالة مستمرة بأن الفلسطيني، أينما كان، سيظل يركض نحو الحياة والحرية مهما طال الطريق.

 

انتهى الماراثون.. لكن الحكاية لم تنته

سيبقى ماراثون فلسطين العاشر شاهدا على شعبٍ يحب الحياة رغم كل ما يحيط به من موت، شعب يحول وجعه إلى طاقة، وتعبه إلى طريق، وركضه إلى رسالة حرية لا تتوقف.