الشاب محمد عفانة.. الإفلات المستحيل من الحبل

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- في مطعم ألف ليلة وليلة بمدينة نابلس، يمارس الشاب محمد عفانة عمله وسط زملائه بشكل شبه اعتيادي، بعدما ظن ذووه أن الطريق لا يمكن أن يصل إلى هذه النقطة بفعل ما أصاب محمد من معيقات منذ ولادته.
محمد الذي ولد وهو يعاني نقصا حادا في خلايا الأكسجين، لم يتوقع والده أن يصل إلى هذه المرحلة أو حتى نصفها في أحسن الظروف، ويؤكد عمر عفانة والد محمد أنه اطلع على حالات مشابهة لقصة ابنه، حيث يلجأ فيها أهل المريض إلى ربط ابنهم بالحبال بحجة عدم إيذاء الآخرين.
وفي روايته لما تعرض له ابنه محمد، يقول عمر عفانة "جاء محمد إلى الدنيا وهو يعاني من نقص حاد من خلايا الأكسجين في الدماغ. 12 يوما في حاضنة الأطفال على أمل التحسن، ولم نكن حينها ندري ماذا أصابه، وظننا كما ظن الأطباء انه حالة طبيعية تصيب الكثيرين بعد الولادة".
وأضاف عفانة "بدأت المعاناة الحقيقية بعد أن اصبح عمر محمد عامين، حيث بدأ يظهر الخلل على تصرفاته، فالطفل لا يمشي ولا يتكلم نهائيا، وكلما زاد في العمر ظهرت عليه مشاكل أكثر في النطق والحركة والسلوك ومن هنا بدأت رحلة علاج طويلة، لم يمنحنا فيها الأطباء أي نسبة تفاؤل، لكنني قررت مواصلة الطريق مهما كان شاقا ومكلفا".
وأوضح عفانة أن حالة ابنه عجّزت الأطباء، والجواب كان لدى الكثير منهم "بس يكبر بتحسن، والبعض يقول "طالما انه يسمع نتوقع مع الزمن ان يتمكن من النطق والكلام" واعتمدنا على هذا التشخيص لمدة سنتين لكن الوضع كان يزداد سوءا، واصبح عُمر محمد خمس سنوات وهو لا يتكلم.
حاول عفانة أن يدمج ابنه في المجتمع رغم معرفته صعوبة وضعه، فأرسله إلى الروضة لكنه لم يستجب لهذا التغيير، ولم يستوعب التعامل مع أي انسان من خارج المنزل.
يضيف عفانة "طرقت أبوابا أخرى للعلاج، في الضفة والداخل والقدس والأردن، ومرت سنوات طويلة من العلاج وكان التشخيص النهائي لحالة محمد أن نقص الأوكسجين عن الدماغ تسبب بإعاقة عقلية وجسدية".
وتابع "خضنا رحلة علاج مركبة وصعبة جدا، تخللتها عمليات عظام منها التي نجحت ومنها ما فشل، لكن في النهاية بدأ بالمشي واصبح لدي أمل، ارسلته إلى المدرسة بهدف الدمج، اصبح يعاني من سلوك الطلاب معه، ولم يتقبل المدرسة لأن الأطفال الآخرين لم يتقبلوه بينهم" وكان قرار المدرسة أن ابني لا يصلح ان يكون في المدرسة وانه بحاجة إلى مركز خاص لرعايته.
وأرسل عفانة ابنه إلى مركز خاص مضيفا "لكن للأسف النتائج كانت عكسية، وشعرت أن محمد بدأ يكتسب صفات اكثر سلبية من حالته".
عمر عفانة، الذي اضطر للاستدانة وكتابة شيكات وكمبيالات على نفسه في سبيل علاج ابنه، دفعه التقدم في العلاج إلى الاستمرار مدركا أن توقف رحلة العلاج يعني خسارة حتمية لكل ما تحقق.
حاول والد محمد تعليم ابنه القراءة والكتابة في البيت، وبعد رحلة صعبة نجح في تعليمه بنسبة جيدة، وبدأ محمد يحب التعليم، وهذا ما دفع والده إلى البحث عن تجارب في مختلف أنحاء العالم مشابهة لحالة ابنه، ولجأ إلى ترجمة الكثير من الكتب من لغات عالمية مختلفة تتحدث عن مثل هذه الحالات والتجارب، ويزداد عمر عفانة إصرارا على تحقيق المزيد من النجاح في حياة ابنه، وكان يستخدم أسلوب التشويق في تعليم ابنه اعتمادا على القصص والأفلام.
التقدم الذي بدأ يعيشه محمد دفع والده إلى وضع خطة علاج متكاملة وهذه المرة تركز على السلوك بشكل رئيسي، والهدف القادم هو دمجه في المجتمع، وجعله يعيش تجارب يومية مع الناس ومعرفة المحيط الذي يعيش فيه محمد، وصولا إلى تحمل المسؤولية اتجاه بعض الأمور مثل تحضير بعض الطعام والشراب، كونه كان لديه خوف كبير مثلا من استخدام أدوات المطبخ مثل السكين وغيرها، ونجح في النهاية في كسر هذا الحاجز.
ما وصل إليه محمد أثار ذهول الأطباء، وتطور الحالة جعل الأطباء يشيدون بالتجربة الصعبة التي آتت نتائج إيجابية وكبيرة في نهاية المطاف.
يضيف عمر عفانة "لمست بداية النجاح عندما أصبح محمد في عمر 13 سنة، لكن مواجهة مشاكل الدمج في المجتمع لم تكن سهلة، فالكل يتعامل معه على أنه مريض وينظر إليه نظرة شفقة وهذا ما لا أريده، ودفعني الأمر إلى التنسيق مع أصدقائي لاستيعاب محمد والحديث معه بشكل مباشر، والاتصال به هاتفيا".
وأشار عفانة إلى أن من المشاكل الأخرى التي واجهها عدم وجود مؤسسات لتنمية الموهبة واخذ الفرصة بشكل حقيقي.
محمد الذي يميل اليوم إلى عمل الشرطة ويتابع كل تفاصيل حياة رجل الشرطة، يقف بشكل شبه يومي على ميدان الشهداء وسط مدينة نابلس، يراقب دوريات الشرطة وأفرادها ويتمنى أن يكون من ضمنهم، ويعطي ملاحظاته على عملهم.
وأشار والده، إلى أنه مع تطور حالة ابنه أصبح لديه ميل للالتحاق بسوق العمل وطلب من والده أكثر من مرة أن يعمل مضيفا "لكن أنا اعلم أن قدراته محدودة، وبالتالي ليس من السهل الحصول على فرصة عمل ملائمة لوضعه في مجتمعنا".
وتابع " توجهت لأكثر من شخص لاستقبال محمد عنده لكن الكل كان يعتذر، وفي النهاية توجهت إلى رجل أعمال وهو أيمن عطا الله والذي رحب بفكرة دمج محمد بين العاملين في مطعم ألف ليلة وليلة في نابلس، وكان الهدف هو الدمج، وبالفعل التحق محمد بالعمل، وأصبح يتم تكليفه بمهام محدودة تناسب وضعه، وهذا اكسبه ثقة كبيرة بنفسه وزاد قدرته على التطور بشكل لافت".
ويوصي عمر عفانة من لديهم أطفال في مثل حالة ابنه عدم تركهم في البيوت مبديا استعداده لنقل تجربته لكن من يطلب المساندة في ذلك، متمنيا ان يكون هناك مراكز تأهيل في مناطق شمال الضفة، وأشاد عفانة بتقبل البعض لمثل هذه الحالات والاستعدادات لمساندتها، مشيدا بدور جمعية التضامن الخيرية في نابلس، التي قدمت الكثير في رحلة العلاج.
مواضيع ذات صلة
الاعتداءات الجنسية تتسلل إلى زنازين الأسر وتلاحق الأسرى بصمت
مستوطنون يلاحقون جثمان ثمانيني!
جنين: هجمة استيطانية شرسة ومنع مواطنين من دخول برطعة الشرقية
ماراثون فلسطين في نسخته العاشرة.. لأول مرة صافرة البداية في رئتي الوطن
عشرات الآلاف يؤدون صلاة الجمعة في الأقصى وسط إجراءات إسرائيلية مشددة واعتقالات
عرابة: الاحتلال يواصل تجريف أراضِ لليوم الثالث
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل