عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 03 آذار 2022

نور أبو شعر تعيش حياتها بنور رغم إصابتها بمرض "بهجت"

رفح- الحياة الجديدة- لميس الأسطل- الوقوف على قدميك بعد المرور بظروف قاهرة ستلازمك طيلة حياتك ليس بالأمر السهل، كأن تصاب بأحد الأمراض المزمنة والنادرة التي لا علاج جذري لها، هذا الأمر يحتاج إلى شجاعة بالغة وإيمان قوي بأنك تستطيع تجاوز هذه المحنة، مفعمًا بالأمل والابتسامة ورؤية النور وسط الظلام، بهذا تعيش الشابة نور أبو شعر حياتها رغم إصابتها بمرض "بهجت".

ما هو مرض "بهجت"؟

يُعرِّف رئيس قسم العيون بمستشفى غزة الأوروبي، الطبيب أسامة أبو الوفا، مرض بهجت بأنه متلازمة نادرة الحدوث، تستهدف غالبًا فئة الشباب، وتصيب الأوعية الدموية بشكل رئيسي بالتزامن مع أجهزة أخرى في الجسم، كالجهاز الهضمي والعصبي والتناسلي وغيرهم، مسببًا العديد من التقرحات.

ويضيف أبو الوفا لمراسلة "الحياة الجديدة": "بالنسبة إلينا في تخصص العيون، يسبب مرض بهجت التهابات في الأوعية الدموية للعين أو عدة أجزاء فيها، قد تكون في القزحية أو المشيمة أو الشبكية".

ويتابع حديثه قائلًا: " مرض بهجت ليس مرضًا سهلًا، لكن له بعض العلاجات التي يستطيع أن يأخذها المريض بعد استشارة طبيب الباطنة بالتوازي مع طبيب العيون؛ إذا كان الالتهاب قد أصابها".

ويذكر أبو الوفا أن لا سبب مباشر لمرض بهجت، وغالبًا ما يكون سبب حدوثه ناتجًا عن التهاب مناعي وليس بكتيري أو فيروسي كما يُشاع، وقد يكون بفعل عامل وراثي أيضًا.

ويؤكد أن ليس كل التهاب قزحي ناتج عن بهجت، لكنه أحد الأسباب التي تؤدي إلى الالتهاب، مشيرًا إلى أن من مضاعفات المرض إذا أصاب شبكية العين: ضعف نظر شديد أو فقدانه.

ويقول أبو الوفا: "من أعراض الالتهاب القزحي: رهاب الضوء، وألم في العين، واحمرارها، والتصاقات فيها قد تؤدي لارتفاع ضغطها، مما يؤدي لازرقاقها، وقد تؤدي العلاجات إلى حدوث مياه بيضاء فيها، لكن لا مفر من العلاج".

ويشير إلى أن مرض بهجت يؤثر سلبًا على نفسية صاحبه؛ لاستمراره في تلقي العلاج دون انتهاء المعاناة منه بشكل كامل، ما يؤدي إلى انخفاض المناعة لديه، فيُعرِّضه ذلك لالتهابات فيروسية متكررة، مؤكدًا على أنه لا بد من التعامل معه بشكل مناسب، وتحسين نفسيته إلى جانب العلاج الطبي عبر مراعاة ظروفه والتخفيف عنه.

بدايات "أبو شعر" بعد اكتشاف إصابتها بمرض بهجت

الشابة نور أبو شعر، البالغة من العمر عشرين عامًا، من محافظة رفح جنوبي قطاع غزة، تدرس تخصص التربية الخاصة في جامعة القدس المفتوحة.

اكتشفت أبو شعر إصابتها بمرض بهجت وهي في الثالثة عشر من عمرها، بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لعام 2014، لتبدأ رحلة العلاج مع أطبائها للسيطرة على زمام الأمور بعد تأزم حالتها الصحية، مما اضطرها للتغيب المستمر عن صفوف الدراسة.

تقول أبو شعر لـ "الحياة الجديدة": "تسبب لي مرض بهجت بالتهابات في العينين؛ ما أدى إلى احمرارهما الشديد، لتظهرا وكأنني أمضيت يومي كله بالبكاء، فتعرضت لكثير من الأسئلة والاستفسارات من قبل معلماتي وزميلاتي في المدرسة عن السبب، ما جعلني أشعر بالاحباط والاكتئاب حيال ذلك".

وتكمل حديثها: "رفضتُ الخروج من المنزل وتقصَّدتُ ألا أرى أحدًا؛ هربًا من أسئلتهم المتكررة".

وتتابع أبو شعر حديثها قائلة، إنها غدت تدرس في المنزل بنفسها دون أي مساعدة من أحد وتقدمت للاختبارات، مشيرة إلى حصولها على المرتبة الأولى على مستوى الفصل الدراسي الأول، مبينة أن الجميع أصيب بالدهشة، خصوصًا بعدما كانوا يتوقعون رسوبها، لافتة إلى ترديدهم: " المريضة جابت الأولى وهي دايمًا عند دكتور كيف لو مش مريضة؟!".

"عزيمة وإصرار".. شعار أبو شعر في الحياة

عاهدت أبو شعر نفسها على الاهتمام بدراستها، متخذةً من العزيمة والإصرار شعارًا لها في الحياة، مرددة في نفسها: "يأخذ الله شيء ليعوضنا بأشياء في المقابل".
وتوضح أنها أصيبت بارتفاع ضغط العينين في الفصل الدراسي الثاني، مشيرة إلى أنها كانت تعاني من ألم شديد لم يُمكنها من النوم، مبينة أن الطبيب أمر بإجراء عملية تركيب صمام "أحمد" بالعينين عبر "تحويلة" لمدينة رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة.

وتستأنف أبو شعر حديثها قائلة: " سافرتُ إلى مدينة رام الله قبل بدء الاختبارات النصفية؛ لتركيب صمام أحمد، وتكللت العملية بالنجاح، لكن الألم كان يزداد يومًا بعد يوم، وأمرني الطبيب بالراحة التامة؛ فلم أكمل الفصل الثاني واجتزته بالنجاح بإذن من الوزراة".

وتشير إلى أنها حافظت على المرتبة الأولى في السنة الدراسية التالية، لافتة إلى أنها احتاجت إلى إجراء عملية إزالة المياه البيضاء في عينيها خلال العطلة الصيفية، موضحة أنها أجرتها في مدينة غزة على حسابها الخاص، إضافة إلى تكاليف الإبر خلف العينين.

أبو شعر والتفوق الباهر في الثانوية العامة

تُعتَبر مرحلة الثانوية العامة مرحلة حاسمة، تحتاج إلى أن يبذل الطالب جهدًا كبيرًا؛ للوصول إلى التفوق والتميز، لكي يلتحق بما يرغب في الجامعة.

استطاعت أبو شعر رغم سوء وضعها الصحي، الحصول على معدل 97,6% لعام 2019 في الفرع الأدبي، بترتيب الثانية على مدرسة فاروق الفرا الثانوية للبنات في محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة، مجتازة هذه المرحلة الصعبة بكل تميز وتفوق باهر.

معاناة ما بين الأدوية و التحويلات والتكاليف

تُعبِّر أبو شعر عن معاناتها قائلة: " منذ حوالي أربعة سنوات وأنا أقدم أوراقي للحصول على تحويلة من أجل العلاج البيولوجي؛ لتناولي كمية كبيرة من أدوية "الكورتيزون" التي لها آثار سلبية على الجسم كالسمنة وهشاشة العظام، مؤكدة أنها حصلت على التحويلة العام الماضي".

وتذكر أبو شعر أنه حتى اللحظة يكلف علاجها ما يزيد عن ال400 شيقل، إضافة إلى ثمن كشفية الطبيب، لافتة إلى شعورها بالعجز في بعض الفترات لكن الله يمدها بالصبر والتحمل.

"الأمل علاج واليأس هلاك"

تستذكر أبو شعر والحزن يملأ صوتها، إصابة والدها المُتوفى بذات المرض واكتشافه له وهو في الخمسة والأربعين من العمر.

وتضيف أن مرضه نما تدريجيًا، ما أدى إلى ضعف نظره حتى فقده بشكل كامل بعد خمس سنوات، مشيرة إلى أن ذلك جعله يفقد وظيفته كمدرس للغة العربية و التربية الإسلامية.

وتختم أبو شعر حديثها قائلة: " الأمل بالله هو العلاج لمثل هذا المرض، واليأس هو الهلاك، وسأبقى أرى النور دائمًا كما اسمي؛ لأتفوق في حياتي".