عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 24 تشرين الثاني 2021

قبل 38 عاما..عندما رضخ المحتل لأكبر عملية تبادل أسرى

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- هي الثورة التي سيجت فلسطين من الداخل والخارج في وجه الاحتلال الإسرائيلي، الثورة التي أطلقتها حركة التحرير الوطني الفلسطيني" فتح، في عملية تبادل هي الأكبر رضخت إسرائيل عام ١٩٨٣ لمطالبها بإطلاق سراح ٤٧٠٠ أسير عربي وفلسطيني مقابل ٦ جنود إسرائيليين اعتقلوا مع اثنين آخرين في عملية بطولية قامت بها إحدى المجموعات المقاتلة التابعة لقوات العاصفة الجناح العسكري لحركة فتح . 
كانت القيادة الفتحاوية محاصرة آنذاك في طرابلس شمال لبنان، فخرج القائد خليل الوزير أبو جهاد بتصريح أعلن فيه أن القيادة في خطر، وأنها لا تتحمل مسؤولية ما قد يتعرض له الجنود الصهاينة الستة الذين أسرتهم. 
في اليوم التالي عنونت الصحافة الإسرائيلية بتصريحات القيادي أبو جهاد، ما أدى إلى ضغط إسرائيلي شعبي على حكومة الاحتلال اضطرها للعودة إلى التفاوض، فاستفادت فتح برفع سقف شروطها إذ طلبت إقفال معتقل أنصار نهائيا، وهدم المعتقل وجرفه وتسليم مفاتيحه إلى القيادة الفلسطينية ممثلة بالقائد الفتحاوي صلاح التعمري والذي سلمه بدوره للرئيس ياسر عرفات. 
المناضل الفتحاوي في لبنان موسى النمر بعد ٣٨عاما على ذكرى تحرير الأسرى الذي كان واحدا منهم في  معتقلي أنصار وعتليت وغيرهما من المعتقلات داخل فلسطين، ومعتقل الأخوات في الرجي في النبطية يقول: "إن عملية تحرير الأسرى كانت معقدة جدا، ومرت بمراحل طبعت بأذهاننا بداية الخوف على مصير أبو عمار والقيادة الفلسطينية التي كانت محاصرة في منطقة البقاع، ومن ثم الحصار الخانق في منطقة الشمال، وقد وردتنا أخبار بأن أحد القادة الفلسطينيين الراعي للمنشقين يومذاك كان على ظهر دبابة على جبل تربل في طرابلس يطلق تصريحاته الأخيرة أنه بعد لحظات سوف يتم القضاء على الرئيس عرفات والقيادات المرافقة له الفتحاوية وغير الفتحاوية المتمسكة بالقرار الفلسطيني المستقل".
ويتابع النمر: "كنا كأسرى ندعو رب العالمين أن ينقذ حياة أبو عمار والقادة المرافقين له، وكنا نصرخ ونهتف داخل أنفسنا أننا لا نريد الخروج من المعتقل إنما نريد سلامتهم، بالتوازي كانت رسائل القائد أبو جهاد لرئيس لجنة المعتقلين القائد الفتحاوي المعتقل صلاح التعمري والذي كان بدوره يطلع جميع المعتقلين على فحواها تحمل الوعد من القيادة الفلسطينية أنها لن تتخلى عن المعتقلين والأسرى ولن تخرج من منطقة طرابلس إلا والمعتقلين في أحضان أهلهم وثورتهم".
ويضيف: "هذه الرسائل كانت ترفع من معنوياتنا، فقد كانت التجربة الأولى بالنسبة لي ولإخواني في الأسر ولم نكن مهيئين لخوضها وجها لوجه مع العدو الصهيوني".  
وإذ يصف النمر تلك الأيام بالمريرة، حيث قضى عاما ونصف العام بين معتقلات عتليت والجلمة وأنصار، وكان الخوف والرعب الممزوج بالتعذيب النفس والجسدي يراوده فقد اختلف الأمر في معتقل أنصار حيث استعاد مع رفاقه معنوياتهم ودورهم، وكان للقوى الفلسطينية كافة دور لإعادة استنهاض المعنويات. 
يضيف: "هي الكلمات الأولى التي سمعناها من القائد صلاح التعمري حين خاطبنا من معتقله "٥" المطل على باقي المعتقلات  "علينا أن نستنهض معنوياتنا أولا" ، وبدأ ينشد على مسامعنا نشيد "أناديكم" للمطرب الوطني أحمد قعبور، وأعقبه بنشيد "يا بحرية" للفنان مارسيل خليفة، وبعدها بلحظات فاجأنا أسيران مناضلان من منطقة صور ومن مخيم عين الحلوة بصورة للرئيس ياسر عرفات مرسومة باليد على إحدى بطانيات خيمة المعتقل أشعلت حناجر المعتقلين فكانت الباكورة لرفع المعنويات عاليا".
من هنا بداية مشوار الحرية يقول النمر، وقد أجبرت الانتفاضات المتتالية العدو الإسرائيلي على أن يمنح لجنة المعتقلين حرية الحركة داخل المعتقلات والدفاع عمن يخفونهم في الزنازين وكان الإنجاز الأول منع جنود الاحتلال الإسرائيلي ومخابراته من إعادة التحقيق مع المعتقلين وبدء إعادة التموضع التنظيمي لكل الفصائل. 
ويشير موسى النمر إلى مراسلات متعددة بين القائدين أبو جهاد  وصلاح التعمري، وأن من بينها ما كان يمر بصورة سرية بعيدا عن عيون المخابرات والاحتلال. 
ويروي عن ذلك: "في إحدى المرات حضرت مندوبة الصليب الأحمر ومعها مندوبة دولية، وكنت أنا  في ذات معتقل صلاح التعمري الذي ينتظر هذه البعثة، فتجمع الأسرى على الباب المطل على لقائه بها، فإذا به يصرخ أن نبتعد جميعا ونمكث في خيامنا لأنه يريد التحدث على انفراد مع الجهة الدولية، وما هي إلا لحظات حتى سمعنا التعمري يصرخ بأنه لا يريد التكلم مع أحد متظاهراً بانسحابه من اللقاء أمام أعين الاحتلال والمخابرات الاسرائيلية، ليعود إلينا وبين يديه رسائل من الرئيس ياسر عرفات وأبو جهاد أفصح لنا أنها تحمل بشرى التحرر من الأسر". 
كان ميزان التفاؤل بحسب النمر يتأرجح، فكان يحكى عن ٨ جنود صهاينة وبعدها عن ستة جنود، وكان الوقت يضيق على الرئيس ياسر عرفات في طرابلس، فجأة تم فرز جميع أعضاء القيادة العامة في معتقل منفرد تبعاً للأسماء التي وردت من الخارج للتأكد أنهم على قيد الحياة.
 ويستطرد موسى النمر: "ونحن ننتظر ... فإذا بالأخ صلاح التعمري يدخل علينا في المعتقل ويقول:  أهنئكم وأهنئ شعبي، الآن ستعودون إلى أحضان أهلكم وأحضان ثورتكم وستبدأ عملية تبادل 6 جنود صهاينة بـ 4700 أسير عربي وفلسطيني في الداخل والخارج، وسوف يتم وبكل أسف تأجيل تحرير أسرى القيادة العامة لحين الاتفاق بينها وبين حكومة الاحتلال، وأضاف التعمري بكل فخر، سأحمل هذا  المفتاح ، مفتاح المعتقل، إلى القيادة الفلسطينية، فهذا أحد شروط التفاوض والشرط الآخر هو إعادة ما سرقه الاحتلال من أرشيف مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت". 
المناضل الفلسطيني موسى النمر ولمناسبة مرور ٣٨ عاما على أكبر عملية تبادل أسرى بتاريخ الثورة الفلسطينية قامت بها حركة فتح، يختم كلامه لـ "الحياة الجديدة"، بأنها تجربة نضالية رغم مرارتها لكنها مرتبطة بالتمسك بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل وبزيادة التمسك بالقيادة الفلسطينية؛ لأنها أثبتت أنها على صواب في المعركة مع العدو الصهيوني في كل مكان وزمان، هي تجربة عزة وكرامة بهذا الانتماء وهذا يعيدني إلى نقطة أساسية هي بداية ونهاية الصراع مع هذا الاحتلال بمعنويات عالية وسننتصر عليه حتى ينكفئ من الأراضي الفلسطينية ويتحرر اللاجئون من قيود اللجوء المرير.