عامل من اريتريا
محمد علي طه
عامل من اريتريا. بشرته السّمراء جواز سفره. هرب من الفقر ومن الجوع ومن سوط الجنرال. مشى على قدميه وركب الجمال الهزيلة. قطع مئات الأميال ليل نهار. خدعه الدّليل وابتزّه السّمسار ومصّ بدويّ من آل ثعلبة دمه في الصّحراء.
عامل من اريتريا قطع سهول السّودان وتلال النوبّة، وعبر وادي النّيل، وسار على درب موسى في صحراء سيناء. خاف واختبأ وجاع وعطش. لا يريد من هذه الدّنيا سوى رغيف خبز. كسرة منه تسدّ جوع معدته والبقيّة ليطعم الجياع. زوجته الجميلة وطفلته الملاك.
عامل من اريتريا في بطنه جوع وفقر، وفي قلبه ظلم وقهر، جاء الى محطّة الباصات الحديثة في مدينة بئر السّبع. الحوانيت تغصُّ بالحاجات. أين أنت يا مدينة مصوع ؟ وأين أنت يا أسمرة؟ وأين أنت يا زوجتي الشّابّة ويا طفلتي الحبيبة ماريّا؟
عامل من اريتريا لا يكره سوى الفقر والجوع والرّصاص. كلّما سمع لعلعة الرّصاص تذكر قراصنة الصحراء. بحث عن مفّرّ. بحث عن الحياة.
عامل من اريتريا هاتف زوجته في السّابعة مساء في 18 اكتوبر 2015 كل شيء تمام يا حبيبتي. العمل والطّعام والنوم. قالت له بدلع: أخاف أن يتعلق قلبك بامرأة شقراء وتبقى هناك.لا تقلقي. سأعود وآخذك والبنت إلى أسمرة ونأكل الشّواء في مطعم من مطاعمها الشعبيّة.
- أنا على أحر من الجمر يا هابطوم.
- هل تعرفين ماذا أحمل بيدي ؟ - فاكهة، حلوى؟
- لا يا زوجتي الحبيبة. - قل وارحني!
- اشتريت فستانا أحمر جميلا لماريا.
- هل تعرف أنّها صارت في الخامسة ؟
- أنا أعدّ الأيام جيدّا
عامل من اريتريا هاتف زوجته في مصوع: كنت أسير في السّوق هذا المساء وشاهدت امرأة بدويّة شابّة تحمل طفلة على ذراعيها فتذكرتك. ولولا الحياء لبكيت.
- هل يبكي رجل من افريقيا؟
- لم يُبقِ الجنرالات دموعا في عيوننا.
عامل من أفريقيا لم يؤذ أحدا. لم يكذب. لم يسرق. ذنبه الوحيد بشرته السّمراء. في السابعة والنصف مساء انهال الحاقدون، الرّعاع، الجبناء، المجانين بالعصي وبالنبابيت على جسده.
جاء الضابط العسكري وضربه. خذ يا قذر. وجاء الشرطيّ وضربه. خذ يا نتن. وجاء السّجان وضربه. خذ يا ابن الزانيّة. وجاء عسكري وضربه. خذ يا حيوان.
اضرب. اقتل. كسّح. الموت للعرب. الموت للعرب.
والجثّة في الشّارع... والدّم يسيل...والعظام مكسّرة.
وراحتا القتيل تشدّان على صدره.... تخبّئان شيئا ما..
احذروا..احذروا. قنبلة. متفجرات.
وحضر الانسان الآلي. وحضر خبراء المتفجّرات.
ابعدوا. ابعدوا!! احذروا احذروا !!
ومرّت دقائق صفراء ثقيلة......
ووجد الخبير أنّ القتيل يضمّ براحتيه كيسا بلاستيكيّا ففتحه بحذر واخرج منه فستانا أحمر... فستان طفلة. طفلة عامل من اريتريا قتيل.
بشرته جواز سفره وتهمته أنّه يشبه العرب.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي